‏المعاصي تسلب مني التوفيق وكلما تركت الذنب أعود إليه، فما الحل؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

منذ سنوات وأنا غارقة في معصية، أتركها وأتوب، ثم أعود إليها، ولا أعرف ماذا أفعل، حاولت كثيرا، لكنني في كل مرة أجد نفسي قد عدت إليها، ولا أدري ماذا أفعل.

في الفترة الأخيرة، صرت أدعو الله أن يقبض روحي إن كان الموت خيرا لي وكان الله راضيا عني؛ فقد تعبت، ولم أعد أعرف ماذا أفعل.

حاولت كثيرا، وهذا كله يؤثر في حياتي وجامعتي ودراستي، كما أنني لا أثق بشكلي أبدا، وقد بدأت -والحمد لله- أطيل لباسي، ولا أضع المكياج في الجامعة، لكن ثقتي بشكلي ما زالت معدومة.

أعرف أنني جمعت موضوعات كثيرة، لكنني مضغوطة جدا، أحاول منذ سنوات ترك هذه المعصية، وقد تعبت، وأتمنى أن أعيش من دونها، والشيء الوحيد الذي أشعر بأنني لم أجربه هو قراءة سورة البقرة يوميا.

والمشكلة أنني بعد الوقوع في الذنب لا أستطيع الالتزام بالدعاء أو الأذكار مدة طويلة، ثم أنقطع، كما تفوتني صلاة الفجر دائما، والحمد لله صليتها اليوم، مع أنني عندما رن المنبه قلت: لا داعي لأن أستيقظ، أستغفر الله، لكنني قمت وصليت.

أنا لا أعرف حقا ماذا أفعل، أشعر أن المعاصي تسلب مني التوفيق والحياة وكل شيء، وللأسف، لا أستطيع أن أخبر أحدا قريبا مني بطبيعة هذه المعصية، كما أنني لا أستطيع تحمل تكاليف استشارة مختص.

ماذا أفعل؟ أشعر بأن الدنيا تضيق في وجهي، وأنني عاجزة ومضغوطة بسبب أمور كثيرة جدا، ساعدوني.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
البنت الفاضلة/ لالا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -ابنتنا الكريمة- في موقعك استشارات إسلام ويب، وجوابي لك كالآتي:

▪ أولا: المخرج من الذنوب الكثيرة هو التوبة إلى الله تعالى، التوبة النصوح، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا} [التحريم: 8] والتوبة النصوح شروطها ثلاثة، وهي: الإقلاع عن المعصية، والندم على ما فات، والعزم على عدم العودة إلى المعصية.

فمهما مر الإنسان بذنوب ومعاص وابتعد عن الله، ثم تاب وأناب واستغفر، فإن الله يقبل التوبة، كما قال تعالى: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات} [الشورى: 25]، وقال تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} [الزمر: 53]، ويقول النبي ﷺ: التائب من الذنب كمن لا ذنب له رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني.

▪ ثانيا: مشكلتك التي تبحثين عن حل لها هي ما ذكرته في رسالتك من أنك في أغلب الحالات تتوبين إلى الله تعالى وتستغفرينه، ثم ترجعين إلى الذنوب بعد فترة من الزمن.
وجواب ذلك: أنه مهما ابتلي الإنسان بمعصية، فإنه بمجرد التوبة يتوب الله عليه، فكلما أحدث الإنسان ذنبا أو معصية أحدث لها توبة، وقد قال تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون} [النور: 31]، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم رواه مسلم.

▪ ثالثا: بالنسبة لتذكرك ذنوبا ماضية، فيكفي فيها الندم والتوبة والاستغفار، وأما الذي يجب عليك فعله فأمران: التوبة النصوح، وعدم اليأس والقنوط من رحمة الله تعالى، فلا تيأسي من رحمة الله، فإن اليأس ليس من صفات المؤمنين، قال الله تعالى: {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} [يوسف: 87]، وقال سبحانه: {ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون} [الحجر: 56].

▪ رابعا: الإنسان إذا وقع في معصية فعليه أن يجدد التوبة إلى الله تعالى، وعليك بالأخذ بهذه الأسباب:

1- عليك بالدعاء لله تعالى والتضرع إليه في أن يرزقك الاستقامة والابتعاد عن هذه المعصية.
2- اجتناب أماكن المعصية وأصدقاء السوء.
3- عدم تتبع ما يثير شهوة الإنسان.
4- صحبة الرفقة الصالحة، فلعلك أن تجدي رفقة صالحة من الأخوات الكريمات.

▪ خامسا: وأما ما ينتابك من إحساس بالإحباط، فيمكن علاجه بالآتي:

1- عليك بمقاومة الإحباط وعدم الاستسلام لسيطرته على نفسك.

2- تقوية الإيمان بالقضاء والقدر، والرضا بما قدره الله، مع العلم بأن ما قدره الله لك كله خير، وأن الله لا يختار لعبده إلا ما فيه الخير، قال تعالى: {فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} [النساء: 19].

3- التعود على الأخذ بالأسباب، وهذا نبي الله يعقوب عليه السلام يوصي أبناءه بقوله تعالى: {يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} [يوسف: 87].

4- التفاؤل والأمل وإحسان الظن بالله تعالى في تفريج الكربات.

5- الذكر والدعاء، فأكثري من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلعل الله تعالى أن يغير أحوالك من العزوبية إلى الزواج، ومن العسر إلى اليسر -إن شاء الله-، وأكثري من الاستغفار، فقد روي عن النبي ﷺ: من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب فأحسني ظنك بالله، وتوكلي عليه، وعلقي قلبك بالله وحده، واصدقي في توبتك مع الله.

▪ سادسا: بالنسبة لتمنيك الموت لضيق الحياة والكآبة التي تجدينها في حياتك، فلا ينبغي لك الدعاء على نفسك بالموت إن لم تخافي فتنة؛ لقول النبي ﷺ: لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلا، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي متفق عليه، وقوله: من ضر أصابه حمله جماعة من السلف على الضر الدنيوي، ويؤيد ذلك ما ورد بمعنى النهي عن تمني الموت لضر نزل بالإنسان في الدنيا، والحكمة من النهي عن تمني الموت في هذه الحالة ما فيه من نوع اعتراض ومراغمة للقدر، وإنما سلي الله العافية والخير في الدنيا والآخرة.

▪ سابعا: بالنسبة لعزمك على قراءة سورة البقرة ثم عجزك عن ذلك، فحاولي قراءتها ولو مرة واحدة كل ثلاثة أيام، فليس شرطا قراءتها كل يوم، وأما الأذكار والدعاء فعليك بالتنوع بينهما، والثبات على المحافظة على ذلك، ففيهما الخير والبركة.

▪ ثامنا: ابنتنا الكريمة، الحياة مليئة بالهموم والمتاعب وضغوط الحياة، والمسلم مأجور على ما يصيبه، فأنصحك بالصبر الجميل، وعليك بالدعاء المأثور عن النبي ﷺ، فقد روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال فكان رسول الله ﷺ يكثر من الاستعاذة من الهم والحزن وبقية هذه الأمور.

أسأل الله أن يفرج همك، ويشرح صدرك، ويثبتك على طاعته، ويرزقك توبة نصوحا، ويعينك على ترك المعاصي، ويرزقك الصبر الذي يعقبه الخير والفرج، اللهم آمين.

مواد ذات صلة

الاستشارات