السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا إنسانة كنت أتمنى أن أتزوج في عمر السابعة عشرة، وكانت تلك أعظم أمنياتي في تلك المرحلة، لكن ذلك لم يحدث بسبب العقد النفسية لدى أهلي وإصرارهم على أن أدرس في الجامعة.
وفي الحقيقة، لم أكن أستطيع أصلا أن أعبر عن رغبتي؛ لأنهم كانوا سيعاملونني على أنني سيئة الخلق لمجرد أن لدي رغبة في الزواج، لم تعلمني والدتي يوما أن من الطبيعي أن تكون لدى الفتاة هذه الرغبة، بغض النظر عن عمرها، وأن هذا أمر طبيعي في جسم الإنسان.
وعلى العكس، عندما كنت صغيرة وأتحدث عن الزواج ببراءة في عمر التاسعة، كانت والدتي وأختي الكبرى تنهرانني وتقولان لي: لا تتحدثي عن هذا، ولا تتعاملي مع الأولاد أبدا، فهم سيئون فقط، وكانتا تنظران إلي باحتقار عندما أتحدث عن ذلك الأمر، مع أنني كنت صغيرة، وحين بدأت مرحلة البلوغ، كنت أشعر بمشاعر لا أستطيع استيعابها، ولا أستطيع أن أحدث أحدا عنها، وقد أثر هذا الإيذاء في صحتي النفسية.
المهم أنني درست الجامعة بالفعل، وبسبب اللجوء والعقد النفسية التي تكونت لدي، أصبت بالوسواس القهري والرهاب الاجتماعي، وانعزلت عن الناس جميعا، وتناولت الأدوية مدة ثلاث سنوات، وأوقفتها حين شعرت بتحسن -ولله الحمد-، لكنني فجأة انتبهت إلى أن عمري أصبح سبعة وعشرين عاما، معظم قريناتي تزوجن، والبقية توظفن أو افتتحن مشاريعهن الخاصة.
أما أنا، فبسبب انعزالي عن الناس، لم أعد قادرة على التعامل معهم، بل لم تعد لدي قدرة نفسية على الذهاب إلى المسجد أو إلى أي مكان، وحين تتحدث إلي إحدى صديقات الجامعة وتسألني: ماذا فعلت في حياتك؟ لا أدري كيف أخبرها أنني لم أفعل شيئا، وأنني كنت أتناول الأدوية فقط.
تعرفت منذ فترة إلى عائلة زوجت بناتها في عمر الثامنة عشرة، ثم يكملن دراستهن إن أردن ذلك.
أشعر كأن قلبي يتمزق حين أراهن يلاعبن أولادهن، ويضحكن ويسعدن، ويمزحن مع أزواجهن، ويعشن باستقرار نفسي.
ماذا استفادت أمي من كبت طبيعتي البشرية سوى أن زاد ذلك من ألمي؟ صحيح أنها نجحت في جعلي أبتعد عن الشباب وألا أسمح لهم بمحادثتي، لكنها آذتني كثيرا بما فعلته.
تقدم إلي مؤخرا رجل، لكنني أشعر كأنه جدي، وبأنه بائس ويائس في الحياة أكثر مني، كنت أتمنى أن أتزوج في عمر أصغر من شاب منطلق في الحياة، لكنني الآن أشعر بأنني لم أعد أرغب في أي شيء، ويستكثر أهلي علي العلاج السلوكي المعرفي، رغم كل ما تعرضت له من إيذاء.
بماذا تنصحونني؟ حتى في طلب العلم الشرعي تأخرت كثيرا، وأشعر بأنني لم أعد أعرف المجال الذي أقوم عليه، كما أن ضيق الحال المادي يزيد الأمر صعوبة، هل أنا غير مهمة في هذا العالم حتى أحرم كل هذا؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سائلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لك الاهتمام والحرص على السؤال، ونسأل الله أن يعينك على الخير، وأن يصلح الأحوال، ونسأله أن يجعلنا جميعا ممن إذا أعطوا شكروا، وإذا ابتلوا صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا.
نحن لا نوافق على ما حصل، ولكن علينا أن نتذكر أنهم كانوا حريصين عليك وعلى مصلحتك، هكذا كانوا يعتقدون، رغم أن أسلوبهم لا نوافق عليه، فلا تعودي إلى الوراء، ولا تحزني لهذا الذي حدث، فهذا ابتلاء من الله تبارك وتعالى.
وانظري إلى النعم الأخرى، فأنت -ولله الحمد- أكملت دراستك، وبلغت العافية، والمرض ليس عيبا، بل هو ابتلاء من الله تبارك وتعالى، وإذا صبرنا عليه نلنا الدرجات العالية.
وأتمنى ألا تردي من يطرق الباب إذا كان مناسبا، وتجنبي المقارنة مع الأخريات؛ فنعم الله مقسمة، فهذا أعطي شيئا وحرم شيئا، وذاك أعطي أشياء وحرم أشياء، وهذه طبيعة الدنيا:
جبلت على كدر وأنت تريدها *** صفوا من الأكدار والأقذاء
ومكلف الأيام ضد طباعها *** متطلب في الماء جذوة نار.
وليس كل من يضحك سعيدا، وليس كل من تعبث مع عيالها وتضاحكهم يعني أن حياتها في الجوانب الأخرى خالية من الصعوبات، فهذه هي طبيعة الدنيا، ولومك الآن للوالدة أو للأخوات لا يجدي ولا يفيد؛ لأن البكاء على اللبن المسكوب لا يرده.
فانظري إلى الحياة بأمل جديد، وبثقة في ربنا المجيد سبحانه وتعالى، ولا تترددي في قبول المتقدم لك إذا كان صالحا في دينه، ونتمنى من أهلك أيضا أن يتفهموا الأمر ويوفروا لك الدعم، وأنت أيضا لا تحاصري نفسك، وحاولي الذهاب إلى المساجد، وزيادة العلم الشرعي، والإقبال على الله تبارك وتعالى.
وثقي بأن كثيرا من الأخوات يتزوجن بعد هذا العمر، فإذا كانت هناك من تتزوج وهي صغيرة، فهناك من يتزوجن في الثلاثين أو بعد الثلاثين، وكل إنسان قدر الله له الزواج في الوقت المحدد والزمان المحدد، فهذا الكون ملك لله تبارك وتعالى، ولن يحدث في كون الله إلا ما أراده الله تبارك وتعالى.
أعود لأقول: إن دورنا كبير -نحن معاشر المتعلمين- في تغيير ما يحصل من الأهل من عادات وتقاليد وأمور؛ فالآباء والأمهات لم يكن عندهم العلم الشرعي أو الوعي الكافي، أو كانت العادات والتقاليد تؤثر عليهم؛ ولذلك لا تقفي أمام هذا الأمر طويلا، واستأنفي حياتك بأمل جديد -كما قلنا- وبثقة في ربنا المجيد سبحانه وتعالى.
وكوني دائما مع النساء في المساجد، وفي الدروس، وفي أماكن الخير، واعلمي أن كثيرا من الصالحات الموجودات في المحاضرات والمساجد يبحثن عن أمثالك لإخوانهن، أو لأبنائهن، أو لأعمامهن، فلا يجوز للمرأة أن تعزل نفسها، وكما قلنا: المرض أيضا ليس عيبا، والحمد لله أنك بلغت العافية.
نسأل الله أن يقدر لك الخير ثم يرضيك به، والسعادة إنما تحصل بالطاعة لله تبارك وتعالى، وهي نبع نفوس المؤمنة بالله، الراضية بقضائه وقدره، المواظبة على ذكره وشكره وحسن عبادته.
والسعداء قد يكونون متزوجين أو غير متزوجين، وقد يكونون أصحاء وقد يكونون مرضى، وقد تكون عندهم مشكلات وأزمات تقل أو تكثر، لكن رضاهم بالله وعن الله، وصبرهم واحتسابهم، وتذكرهم ما يكتب الله لهم من الأجر والثواب؛ يجعلهم سعداء في هذه الحياة.
نسأل الله أن يسهل أمرك، وأن يضع في طريقك من يسعدك وتسعدينه، ومن يعينك على طاعة الله وتعاونينه، ونسأله تبارك وتعالى أن يرزقكما الذرية الصالحة، هو ولي ذلك والقادر عليه.