أشعر بأن الأبواب مغلقة أمامي وأنني فاشل في كل شيء، فهل من نصيحة؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا أمر بحالة غريبة جدا، فقد صرت فاشلا في كل شيء، في طلب العلم وفي الدراسة، وبالإضافة إلى ذلك، أمي مريضة، ويجب علي رعايتها وطبخ الطعام لها، وتنظيف البيت، والقيام بأمور كثيرة، حتى صرت أرى نفسي كأنني فتاة بيت، وقد ضجرت ومللت وتعبت من رعايتها، وهي عنيدة جدا، فإذا قصرت في شيء بدأت بلعني، وشتمي، والدعاء علي بأدعية سيئة، منها: لا تنطق الشهادة قبل موتك.

ويزعجني فشلي في الدراسة وعدم امتلاكي للمال، ويضعني ذلك في حالة يأس شديدة، فلم أعد أريد العيش، وأتمنى أن أموت بدلا من أن أعيش هذه الحياة، أعلم أن هذه الحياة دار عمل، لكن حال قلبي تثبطني، وتجعلني في حالة من العجز والكسل.

كلما أردت أن أدعو، لم أستطع؛ لأنني لا أستطيع إحسان الظن بالله، وهذا يمنعني من الدعاء، أخاف على نفسي من هذه الحالة، فأنا أسيء الظن، وأقنط وأيأس، ولا أتفاءل، وأذنب وأقصر في صلواتي، ومنذ زمن لم أستطع قراءة وردي من القرآن أو أذكار الصباح والمساء.

أنا في حالة صعبة، ففي بعض الأحيان أحسن الظن بالله وأرجو رحمته وأخاف عذابه، لكن ذلك يكون أحيانا فقط، وفي أغلب الأحيان تغلبني هذه الآثام. كنت أفكر في الانتحار، لكنني أعلم أنه سيولد هموما أكبر من هذه الهموم، ماذا أفعل؟ وكيف أتغير؟ لقد تعبت من هذا، ويحيطني أناس أثرياء لديهم كل شيء.

صرت لا أتعظ من موعظة ولا أنتفع من نصيحة، وكنت أستمع إلى دروس في تفسير القرآن لأحد المشايخ السنيين، ولكني لا أتذكر أنني انتفعت أو تغيرت، أرى نفسي ميؤوسا منها، ولا أعلم ماذا أفعل، وإذا أردت الجلوس للدعاء، تأتيني نوبات من اليأس والقنوط، ثم أقول في نفسي: كيف أدعو وحالي هكذا؟ فأترك الدعاء.

لماذا تفتح كل الأبواب للفساق والزناة والملاحدة الذين يجهرون بالكفر والفسوق والعصيان؟ ولماذا تتأخر إجابة الدعوة، ولو كانت في الخير؟ لم أعد أطيق هذه الحياة، وأتمنى لو أنني لم أخلق.

أرجو منكم أن تنصحوني نصيحة بليغة؛ فقد تعبت وضجرت، ولا أدري من أين تأتيني الوساوس!

هل تنصحونني بقراءة كتب الداء والدواء وإغاثة اللهفان والفوائد لابن القيم، من خلال الدروس الصوتية والمرئية لأحد مشايخ وطني؟ فأنا لا أعلم الصرف، ولا النحو، ولا القواعد، والأصول، ولكني قرأت كتبا للمبتدئين في العقيدة والفقه والسيرة، وحاليا أنا عاجز عن طلب العلم، وكيف أنظم وقتي وأغتنمه؟
• كثرت أحلامي وأمنياتي مع ذنوبي، وأنا أخاف من ذلك، فأرجو منكم أن تنصحوني.

جزاكم الله خيرا، وأعتذر عن الإزعاج.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يفرج كربك، ويشفي أمك، ويقويك على برها، ويخرجك من العجز واليأس إلى السكينة والعمل.

أخي الكريم، قد اجتمع عليك أكثر من حمل في وقت واحد: رعاية أم مريضة صعبة الطباع، وأعمال البيت، وتعثر الدراسة وطلب العلم، وضيق المال، ثم بدأت تقارن حياتك بمن حولك ممن وسع الله عليهم، حتى وصلت إلى الشعور بأنك فاشل في كل شيء، وأن الموت أريح لك، والمشكلة هنا أن هذه الأثقال اجتمعت في ذهنك، فأصبحت تراها حكما نهائيا على حياتك، وليست مرحلة شديدة يمكن أن تتغير، لذا انتبه لما نقوله لك الآن:

▪ أولا: ما تقوم به من خدمة أمك ليس حياة ضائعة، ولا يصح أن تحتقر نفسك فتقول: صرت كأني فتاة بيت، فخدمة البيت ليست نقصا للمرأة ولا للرجل، وخدمتك لأمك المريضة من أجل الأعمال إذا احتسبتها، وهي تنفيذ عملي لوصية الله لك: {وبالوالدين إحسانا}، نعم، قد لا يراك الناس وأنت تطبخ وتنظف وتقوم عليها، لكن الله يرى ذلك كله، ويأجرك عليه، بل قد يكون ما تفعله الآن بابا من أبواب نجاتك لا تعرف قدره الآن.

▪ ثانيا: مسألة دعاء الوالدة عليك ولعنك أمر لا يجوز، لكن لا تقابل إساءتها بالعقوق، واخدمها بقدر استطاعتك، وإذا اشتد غضبها فابتعد حتى تهدأ، ولا تدخل معها في جدال طويل، ولا تعش مرعوبا من دعائها عليك، فالله سبحانه عدل، وليس كل دعاء يصدر في غضب يكون مستجابا لمجرد أن قائله أم.

▪ ثالثا: ما تمر به من مرض أمك، والفقر، والتعثر، وكثرة المسؤوليات من البلاء الذي يحتاج إلى صبر واحتساب، وما تتحمله لله فلن يضيع، وقد قال النبي ﷺ: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني).

لكن لا تفسر هذا البلاء بأنه دليل على أن الله قلاك أو أنك ميؤوس منك، فالدنيا ليست كشف درجات يبين من يحبه الله ومن يبغضه، فقد يوسع الله على من يعصيه، ويبتلي من يحبه، ثم تكون العاقبة مختلفة تماما، فلا تجعل مال الملحد أو الفاسق حجة على ربك، ولا فقرك حجة على نفسك.

▪ رابعا: قولك: لماذا تفتح أبواب الدنيا للعصاة وتتأخر دعوتي؟ لأن الدنيا ليست دار الجزاء النهائي، ولو كان المال دليلا على رضا الله لكان أغنى الناس أحبهم إليه، وهذا باطل، قال تعالى: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * نسارع لهم في الخيرات ۚ بل لا يشعرون}، وقد يعطي الله، ويمنع، ويؤخر، وكل ذلك يجري بحكمة لا نحيط بها.

▪ خامسا: لا تنتظر حتى تحسن الظن بالله تماما كي تدعوه، ادعه وأنت مكسور ومضطرب، قل له ما تجد: يا رب، غلبني اليأس فأعني، وضاق صدري فافتح لي، وضعف يقيني فقوه، ويعقوب عليه السلام قال: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله}، فلا تجعل مرض القلب سببا لترك الدواء، فأنت تحتاج إلى الدعاء لأنك ضعيف، لا بعد أن تصبح قويا.

▪ سادسا: لا تحاول الآن العودة دفعة واحدة إلى قيام طويل، وورد كبير، وأذكار، ودروس، وكتب، ونحو، وصرف، فأنت مرهق، فابدأ بالفرائض، وحافظ على الصلوات الخمس، ولو قرأت صفحة واحدة من القرآن يوميا، وأذكارا قليلة ثابتة، فهذا خير من برنامج ضخم تنقطع عنه ثم تحتقر نفسك، وقد قال النبي ﷺ: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، (متفق عليه).

▪ سابعا: أما طلب العلم فلا أرى أن تبدأ الآن ببرنامج كبير في الداء والدواء وإغاثة اللهفان والفوائد...، فهذه كتب نافعة، لكنك في حالة تجعل كل حديث عن الذنوب وأمراض القلوب قابلا لأن يتحول عندك إلى مادة جديدة لجلد نفسك.

خذ كتابا واحدا بشرح عالم موثوق، وبقدر قليل، ولا تشترط أن تفهم النحو والصرف أولا، فالأهم الآن إصلاح الفرائض، واستعادة قدرتك على الدراسة والحياة، ثم توسع في العلم بالتدريج.

▪ ثامنا: نظم يومك على ثلاثة أصول فقط: حق الله، وحق أمك، ومستقبلك، واجعل للصلاة والقرآن وقتا، ولخدمة أمك والبيت وقتا، وللدراسة أو البحث عن مصدر رزق وقتا ثابتا ولو ساعتين، وما بقي يأتي بعد ذلك، ولا تحاول أن تكون طالب علم متفرغا وأنت تحمل هذه المسؤوليات، فطلبك للرزق ورعايتك لأمك من الدين أيضا إذا صلحت النية.

▪ تاسعا: لا تجعل كثرة أحلامك وأمنياتك مع وجود الذنوب نفاقا أو تناقضا، فأنت عبد تخطئ وترجو، وهذه حال بني آدم، والمطلوب أن تحول بعض أمنياتك إلى خطوات صغيرة، فلا تقل: أريد أن أنجح في العلم والدراسة والمال والعبادة جميعا، بل قل: ماذا أستطيع أن أصلحه هذا الأسبوع؟ ثم افعله.

وأما فكرة الانتحار أو تمني ألا تكون قد خلقت، فهنا يجب أن تكون حازما مع نفسك، فالانتحار ليس خروجا من البلاء إلى الراحة، وإنما اعتداء على النفس التي حرم الله قتلها، والله تعالى يقول: {ولا تقتلوا أنفسكم ۚ إن الله كان بكم رحيما}. فلا تعط لحظة يأس سلطة اتخاذ قرار لا رجعة فيه، على عمر كامل، لا تعرف ما بقي فيه من أقدار الله، وإذا انتقلت الفكرة من مجرد خواطر إلى خوف حقيقي من أن تؤذي نفسك، فلا تبق وحدك، وأخبر شخصا تثق به فورا، وابق معه، واطلب مساعدة عاجلة، فهذا من الأخذ بالأسباب، وليس ضعفا في الإيمان.

ولا تقل: أنا لا أتعظ ولا أنتفع، إذا انتهيت، فمجرد أنك كتبت هذه الرسالة، وخفت على إيمانك، وتسأل كيف تعود، يعني أنك لا تزال تريد الطريق، فالقلب المتعب لا يحتاج دائما إلى موعظة أشد، وأحيانا يحتاج إلى أن يخف الحمل عنه، ثم يمشي خطوة واحدة، فابدأ اليوم، لا غدا: صل الفرض في وقته، واقرأ صفحة من القرآن، واخدم أمك بنية البر، وخصص ساعة لمستقبلك، ثم نم دون أن تحاكم حياتك كلها.

نسأل الله أن يشفي أمك، ويأجرك على برها، ويغفر لك تقصيرك، ويصرف عنك اليأس والقنوط والوساوس، ويرزقك لذة الصلاة والقرآن من جديد، ويفتح لك في الدراسة والعلم والرزق، ويبدل عجزك قوة، وكسلك همة، وفقرك سعة، ويريك من تغير أيامك ما يجعلك تحمد الله أنك لم تحكم على بقية عمرك من هذه المرحلة، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات