أشعر بالضيق من تحكم والدي بالمال ومنعِه لي من تحقيق ما أريد، فماذا أفعل؟

0 0

السؤال

السلام عليكم.

أبي يذلني دائما؛ بأنه يعطيني المال للدروس، وأنا في الثانوية العامة، وبفضل الله طالبة علم، ولا أستطيع تعلم العلم الشرعي بسبب أنني لا أملك المال لذلك، ولا أريد أن أطلب من أبي مالا لتعلم العلم الشرعي؛ فهو يريدني فقط أن أدخل كلية الطب، ولا أعرف ماذا أفعل؟

كما أخجل دائما من سؤال أبي المال، مع أننا لسنا فقراء، ونعتبر من طبقة متوسطة الحال -الحمد لله-، وأمي دائما تأخذ المال من وراء أبي، وقد حذرتها دائما، فكانت ترد دائما وتقول لي: "ألا ترين ماذا يفعل والدك؟ أبسط الأشياء لا يريد أن يعطيني المال لأجلبها".

أبي وأمي دائما على خصام بسبب ذلك، وقد تعبت نفسيتي منهم والله، فماذا تنصحونني أن أفعل؟

كما أنني كنت أريد أن أعمل، لكن أبي دائما يرفض ذلك.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سارة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويبارك لك في علمك وحرصك على طلبه، ويصلح ما بين والديك، ويجعل برك بهما سببا لرضاه ورضاهما عنك؛ ومن أجمل ما في سؤالك أنك لا تريدين أخذ مال أبيك بغير حاجة، وتحرصين أن يكون ما ينفقه عليك في موضعه، وهذه خصلة طيبة ينبغي المحافظة عليها.

يا ابنتي، مشكلتك تحتاج إلى التفريق بين أمرين:

حقك في طلب العلم، وحق أبيك في البر والطاعة وحسن التواصل؛ فلا تجعلي اختلافك مع أبيك حول الدراسة سببا لجفاء أو صدام، ولا تجعلي شعورك بالأذى من بعض عباراته يدفعك إلى رد الإساءة بمثلها، قال تعالى: ﴿وقضىٰ ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾ [الإسراء: 23]، وقال سبحانه: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ [لقمان: 15]، والنبي ﷺ قال: "رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد" رواه الترمذي.

ولذلك اجعلي هدفك الآن أن تكسبي أباك بدل أن تدخلي معه في معركة؛ فإذا كان يرى أن إنفاقه على الدروس أمر ضروري للثانوية العامة، فأظهري له عمليا أنك مقدرة لذلك، ولا تقابلي تذكيره بالمال بالخصام، بل اختاري وقتا هادئا، وقولي له كلاما قريبا من هذا: "يا أبي، أنا مقدرة جدا تعبك وإنفاقك علي، وأعرف أن الدروس تكلفك، وأنا لا أريد أن آخذ منك مالا إلا في شيء ينفعني، ولذلك أريد أن أستشيرك في طريقة أتعلم بها العلم الشرعي دون أن أثقل عليك، وهل تسمح لي بمبلغ محدد كل شهر لهذا الغرض؟ وسأحرص أن يكون في دورة أو كتاب أو درس موثوق، وسأريك ما تعلمته منه".

هذه الطريقة تختلف كثيرا عن قول: "أنت لا تريد أن تعطيني مالا للعلم"، اجعلي أباك يشعر أن ماله يستثمر في ابنته وليس يستنزف، وأنك تحترمين تعبه وتريدين إنفاق المال في موضعه.

ويمكنك أن تضعي خطة مالية واضحة: حددي مبلغا شهريا صغيرا، واكتبي ما تحتاجينه من كتب أو دورات، وابدئي بالأهم، وابحثي أولا عن المصادر المجانية الموثوقة: دروس العلماء المتاحة عبر الإنترنت وما أكثرها في هذا الزمن، المكتبات العامة، الكتب المستعملة، حلقات القرآن والمساجد والمراكز التعليمية التي لا تتطلب رسوما، وبذلك تقولين لأبيك عمليا: "أنا لا أبحث عن المال، بل أبحث عن العلم، والمال أحد الوسائل فقط"، وإذا كان يرفض العمل خارج المنزل، فلا تجعلي هذه النقطة محور الصراع الآن، خصوصا وأنت في الثانوية العامة؛ بل اجعلي نجاحك الدراسي وسلوكك وانضباطك بابا لإعادة بناء الثقة، ثم عندما يصبح الأمر مناسبا تحدثي معه عن عمل آمن ومناسب لعمرك وظروفك وبموافقته.

وأما أخذ أمك المال من وراء أبيك، فلا تدخلي نفسك في هذا الأمر، ولا تكوني وسيطة بينهما؛ لا تنقلي كلام أحدهما للآخر، ولا تشجعي أمك على الأخذ خفية، ولا تحملي نفسك مسؤولية خلاف مالي بين زوجين؛ فإن استمرارك في هذا الدور سيزيد ضغطك النفسي، وإذا اشتكت لك أمك من أبيك فقولي بلطف: "يا أمي، أنا أحبكما معا، ولا أريد أن أكون بينكما، حاولا حل الأمر بينكما بهدوء"، ثم ابتعدي عن تفاصيل الخلاف.

وفي المقابل، إذا كان والدك يكرر عليك أنه ينفق عليك، فحاولي ألا تفسري كل تذكير بأنه إهانة مقصودة؛ قد تكون عباراته مؤلمة فعلا، لكن يمكنك أن تحفظي برك به، وفي الوقت نفسه تحافظي على كرامتك بهدوء، فتقولي: "يا أبي، أنا أشكرك على ما تنفقه علي، لكن هذه الكلمات تؤلمني، وأتمنى أن تساعدني دون أن أشعر أني عبء عليك"، ومن الناحية العملية، لا تجعلي طلب العلم الشرعي منافسا للثانوية العامة؛ رتبي أولوياتك الآن: التفوق في دراستك، والمحافظة على الفرائض والقرآن، وتخصيص وقت ثابت يوميا للعلم الشرعي، ولو ثلاثين دقيقة، حتى يفتح الله تعالى لك بابا أوسع؛ فطلب العلم ليس مرتبطا دائما بدورة مدفوعة، وقد تبدئين بما هو متاح، ثم تتوسعين لاحقا.

وأقترح أن تضعي لنفسك خطة من ثلاث خطوات:
- أولا: البحث عن مصادر مجانية موثوقة للعلم الشرعي.
- ثانيا: إظهار الجدية لأبيك بالالتزام الدراسي والإنفاق المنضبط.
- ثالثا: بعد فترة، افتحي معه حوارا هادئا بطلب مبلغ محدد ومعلوم، مع بيان ماذا ستدرسين؟ وكيف ستستفيدين منه؟ وربما يكون من المفيد أن تجعلي له أثرا مباشرا في الأمر، فتقولي: "أريد أن أتعلم هذا العلم، وأريدك أنت أن تساعدني في اختيار المكان، أو الدورة المناسبة"؛ فقد يتحول الأب من شخص يشعر أن ابنته تطلب منه مالا إلى أب يشعر أنه شريك في بناء ابنته علميا.

بنيتي: لا تنسي أن برك بأبيك نفسه عبادة عظيمة، وأن طلبك للعلم لا ينبغي أن يجعلك تخسرين أدبك معه؛ فالعلم الذي يزيد صاحبه صداما وكبرا لم يؤت ثماره بعد، اجتهدي أن تكوني طالبة علم بارة، هادئة، شاكرة، مقتصدة، واضحة في احتياجاتها؛ وحين يرى أبوك أثر العلم في أخلاقك ودراستك وصلاتك، سيكون إقناعه أسهل -بإذن الله تعالى-.

أسأل الله سبحانه أن يفتح لك أبواب العلم النافع، وأن يرزقك التفوق في الثانوية، وأن يؤلف بين قلب أبيك وأمك، ويجعل ما ينفقه عليك صدقة وأجرا له، ويجعلك قرة عين لهما، ويجمع لك بين بر الوالدين وطلب العلم وتحقيق طموحك.

وبالله التوفيق والسداد.

مواد ذات صلة

الاستشارات