السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هل إذا دعا شخص على آخر، أصاب دعاؤه أولاد ذلك الشخص أيضا؟ وهل صحيح -كما قالت لي والدتي- أن أثر الدعاء ينتقل إلى أولاده وزوجته؟
فقد وقع قبل مدة طويلة شجار بين أبي -رحمه الله- وجدي وجدتي، ولا أعرف تفاصيله، لكن ما أعلمه أن أبي أخبرنا بأن جدتي دعت عليه بالفقر والفضيحة والذل، وبأن يصاب بمرض لا يخرج من جسده.
ومنذ وفاة والدي، كلما واجهتنا مشكلة أو ضائقة مالية، تعزو أمي ما يحدث لنا إلى تلك الدعوة، وتقول إنها أصابتنا أيضا، وهذا يصيبني أنا وإخوتي باليأس.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يرحم أباك، ويغفر لجدتك، ويصرف عنكم الخوف واليأس، ويرزقكم السعة والطمأنينة.
أخي الكريم، لا صحة لما قيل لكم من أن أثر الدعاء على الإنسان يورث لزوجته وأولاده، بحيث إذا دعت جدتك على أبيك بالفقر أو المرض أو الذل، أصبحت هذه الدعوة ملازمة لذريته بعد موته! فهذا التصور لا أصل له، والاستمرار في تفسير كل ضائقة تصيبكم بهذه الدعوة يفتح عليكم بابا من الخوف والتشاؤم وسوء الظن بالمستقبل، ولبيان الأمر نقول:
▪ أولا: الدعاء على الأولاد أمر خطير، نهى عنه النبي ﷺ، فقال: لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم (رواه مسلم).
▪ ثانيا: هذا لا يعني أن كل كلمة قالتها جدتك لأبيك قد استجيبت حتما، بل ذكر أهل العلم أن دعاء الوالد على ولده ليس معناه أنه لا يخطئ أبدا، كما ذكروا من رحمة الله أنه قد لا يستجيب لما يقوله الإنسان في شدة الغضب والضجر.
▪ ثالثا: حتى لو فرضنا أن شيئا من دعائها على أبيك قد وافق إجابة، فلا ينتقل ذلك إليكم تلقائيا بعد موته، فأنتم أشخاص مستقلون عنه في التكليف والجزاء، وقد قرر الله أصلا عظيما، فقال: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}.
▪ رابعا: لا تربطوا كل مرض، أو ضيق مالي، أو مشكلة تحدث للأسرة بدعوة قيلت قبل سنوات، فالضيق والسعة، والصحة والمرض، والربح والخسارة، كلها من أقدار الحياة التي يبتلي الله بها عباده، وما تصبرون عليه محتسبين فلكم فيه الأجر بإذن الله.
ثم إن وقوع البلاء عليكم لا يعني أن الله غاضب عليكم، ولا أن لعنة قد لحقت بالأسرة، فهذه فكرة ينبغي إخراجها تماما من البيت؛ لأنها تجعل الإنسان إذا تعطلت سيارته، أو خسر مالا، أو مرض، قال: ها هي دعوة جدتي تلاحقنا، ثم يصبح كل حدث جديد دليلا يؤكد الخوف القديم.
▪ خامسا: طمئنوا أمكم، ولا تجادلوها بقسوة، وقولوا لها: ما وقع بين أبي وجدتي انتهى، وحسابه عند الله، وأبونا أفضى إلى ربه، ونحن لسنا محكومين بدعاء قيل عليه قبل سنوات، والله أرحم بنا من أن نعيش بقية أعمارنا خائفين من كلمات قيلت في خصومة قديمة.
▪ سادسا: بدلا من انتظار أثر دعوة قديمة، أكثروا أنتم من الدعاء لأنفسكم وأهليكم بالبركة والعافية وسعة الرزق، وتصدقوا، وصلوا أرحامكم، وخذوا بالأسباب عند المشكلات، فإذا حدث ضيق مالي فابحثوا عن سببه وحله، وإذا وقع مرض، فخذوا بأسباب علاجه.
ولا تجعلوا الماضي تفسيرا جاهزا لكل شيء، ولا تعيشوا أسرى لدعوة لا تعلمون أصلا هل استجيبت على أبيكم أم لا، فضلا عن أن تجعلوها موروثا ينتقل إلى زوجته وأولاده، واطمئنوا إلى عدل الله ورحمته، وأحسنوا الظن به، وعيشوا حياتكم بالأخذ بالأسباب والدعاء والتوكل.
نسأل الله أن يرحم أباك رحمة واسعة، ويغفر لجدتك ما صدر منها، ويحفظكم من كل سوء، ويوسع عليكم في أرزاقكم، ويصرف عنكم الخوف والتشاؤم، ويملأ قلوبكم يقينا برحمته وحسن تدبيره، والله الموفق.