أصبحت أبغض صديقي بسبب إعراضه عني ومقاطعته لي، فما نصيحتكم؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لدي مشكلة، وهي أنني كلما اتخذت صديقا، لا يلبث أن يهجرني بعد مدة قصيرة، كأنه اكتشف في عيبا، وقد سألت أستاذا لي إن كان في عيب، فقال: لا، وأكد لي أنني إنسان جميل، ولله الحمد.

لكنني لا أدري لماذا يهجرني الناس ولا يحبونني، مع أنني أحسن إليهم وأحبهم، وكان لي صديق يحبني في البداية، أما الآن، فكلما ذهبت إليه لأحدثه، قال لي: لا وقت لدي لأضيعه معك، مع أنني أراه يتحدث مع الآخرين، وإذا ذهبت إليه في بيته، لا يدخلني، كما يفعل مع الآخرين.

وقد سألته أكثر من أربع مرات: ماذا فعلت لك حتى تكرهني؟ فيقول: لم تفعل شيئا، ولا أكرهك، وكثيرا ما يهرب مني، وقد ذهبت إليه أكثر من مرة واعتذرت له، لكنني لا أدري ماذا فعلت، وهل رأى في عيبا أم لا.

الآن صرت أكرهه كرها شديدا، وقد لقيته أكثر من مرة فلم يسلم علي، ولم أسلم عليه؛ لأنني أعلم أنه إذا سلمت عليه فسيتصرف تصرفا يغضبني، مع أنني أنوي أن أرد عليه السلام إذا سلم علي، وأن أحاول مصالحته، والآن قاطعني وقاطعته أكثر من ثلاث ليال، مع أنني لا أستطيع مصالحته؛ لأنه لا يريد الصلح.

والآن أصبحت أكرهه وأدعو عليه بالشر، وأدعو أن يزيل الله عنه بعض النعم، فهل هذا جائز؟ وإذا لم يكن جائزا، فما الحل؟ وما نصيحتكم لي؟ علما أنني لا أستطيع أن أزيل بغضه من قلبي.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك، ونسأل الله أن يرزقك الصحبة الصالحة، ويطهر قلبك من الغل، ويعوضك عمن ابتعد عنك بمن يعرف لك حقك وقدرك.

أخي الكريم، ألمك مفهوم، خاصة أنك حاولت معرفة سبب تغير صديقك، وسألته أكثر من مرة، بل اعتذرت إليه وأنت لا تعرف ذنبا فعلته، ثم تراه يقبل على غيرك ويتجنبك، لكن ينبغي ألا يتحول ألمك من ابتعاده إلى ملاحقته، ثم إلى كراهية ودعاء عليه؛ لأنك بذلك تجعل شخصا اختار الابتعاد يتحكم في راحتك حتى بعد انتهاء الصداقة، ولذا ننصحك بما يلي:

▪ أولا: لا تجعل ابتعاد بعض الناس عنك دليلا على وجود عيب خفي فيك، فالعلاقات تتغير لأسباب كثيرة؛ فقد تتغير الاهتمامات والطباع ودرجة القرب، وقد يرتاح إنسان لشخص ولا يرتاح لآخر، دون أن يكون أحدهما سيئا، وقد يكون البعد بسبب النميمة، والكلام الذي قد ينقله بعض الأصحاب عن بعضهم، من باب الحسد أو غيره، كل هذه احتمالات.

ومع ذلك، فمن النافع أن تراجع نفسك بهدوء: هل تكثر من الاتصال والزيارة؟ هل تتعلق بالصديق بسرعة؟ هل تطلب منه من الوقت والقرب أكثر مما يريد؟ فقولك إنك تذهب إلى هذا الصديق مرارا، حتى مع إظهاره عدم الرغبة في الحديث، يستحق منك وقفة.

▪ ثانيا: صديقك أوضح بتصرفاته أنه يريد مسافة بينكما، وإن لم يبين السبب، وقد سألته أكثر من أربع مرات واعتذرت إليه، فلا تطارده بعد ذلك بحثا عن تفسير، واحفظ كرامتك واحترم رغبته، ولا تذهب إلى بيته، ولا تلح عليه في الحديث؛ فالصداقة لا تستجدى، والمحبة التي تحتاج إلى ملاحقة مستمرة ترهق الطرفين.

▪ ثالثا: قوله لك: لا وقت لدي لأضيعه معك عبارة جارحة، وكان يستطيع الاعتذار بأدب، لكن خطأه لا يستلزم أن تنتقم منه في قلبك، وتستطيع أن تقلل علاقتك به دون أن تحوله إلى عدو.

▪ رابعا: أما الهجر فوق ثلاث، فقد قال النبي ﷺ: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث... وخيرهما الذي يبدأ بالسلام (متفق عليه) فلا تجعل قرارك أنك لن تسلم عليه حتى يسلم هو، وإذا لقيته فسلم سلام المسلم على أخيه، ولا يلزم بعد ذلك أن تعودا صديقين مقربين؛ فهناك فرق بين ترك الصحبة وبين الهجر والخصومة.

▪ خامسا: إذا سلمت عليه فرد عليك بطريقة باردة، فقد فعلت ما عليك، فلا تجعل رد فعله مقياسا لكرامتك، وسلم لله، ثم امض في شأنك، ولا تراقب هل ابتسم أم أعرض.

▪ سادسا: لا تدع عليه بزوال النعم لمجرد أنه لم يعد يريد صداقتك؛ فهذا ليس ظلما يبيح لك أن تتمنى له الشر، بل هذا الدعاء يزيد الغل في قلبك أنت، وإذا وجدت نفسك غاضبا فقل: اللهم أصلح قلبي وقلبه، واقدر لكل منا الخير، وعوضني صحبة صالحة، وليس مطلوبا أن تحبه كما كنت، وإنما المطلوب ألا تحمل في نفسك حقدا يؤذيك.

▪ سابعا: لا تحاول نزع الكراهية من قلبك بالقوة؛ فالمشاعر لا تزول بالأمر، وإنما المطلوب ألا تغذيها: لا تتابعه، ولا تراقب كيف يعامل الآخرين، ولا تعد في ذهنك مواقفه، ولا تتحدث عنه بسوء، ومع البعد ستخف هذه المشاعر تدريجيا.

ولعلك تأخذ من هذه التجربة أمرا مهما، وهو أن تحسن إلى الناس دون أن تجعل حاجتك إلى قبولهم أكبر من حاجتك إلى احترام نفسك؛ فالصحبة رزق، وليس كل من أحببناه كتب له أن يبقى معنا.

▪ ثامنا: وسع دائرة معارفك، ولا تعلق قلبك بصديق واحد، وشارك الناس في الدراسة والعمل والمسجد والأنشطة النافعة، وكن لطيفا من غير إلحاح، واترك للعلاقات مساحة تنمو فيها بصورة طبيعية، ومن أراد قربك فأحسن صحبته، ومن أراد الابتعاد فاتركه بسلام.

نسأل الله أن يطهر قلبك من الغل، ويغفر لك ولصديقك، ويرزقك صحبة صالحة تحبك في الله وتعينك على الخير، ويمنحك قلبا يحسن إلى الناس دون أن ينكسر إذا تغيروا، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات