هل يمكن للإنسان العاقل أن يفقد جزءًا من عقله بصورة مفاجئة؟

0 1

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أختي في الأصل إنسانة طبيعية تماما، وعاقلة جدا، وتعيش في عائلة مستقرة، ولم تتعرض للأذى، بدأت القصة فجأة عندما سافرت والدتنا وغابت عنها مدة شهرين، وخلال تلك المدة كانت أختي تشتاق إليها بصورة طبيعية، لكن بمجرد عودة والدتنا، دخلت أختي في نوبة بكاء شديدة خلال اليومين الأولين، وأبدت ردود فعل مفرطة من شدة الشوق.

بعد هذين اليومين، انقلب حالها تماما، وكأنها فقدت عقلها، فأصبحت تروي قصصا غير مفهومة، وتصر على أن الناس يضحكون عليها، ويكذبون عليها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأن قريبة لنا تتحدث عنها بسوء، وحين نحاول تهدئتها، تبكي بحرقة وتنعزل، بل تصاب بنوبات من الصراخ والبكاء الهستيري أثناء قراءة القرآن، كأنها في عزاء.

كما أصيبت بأرق شديد، وبقيت ثلاثة أيام بلا نوم، وهي تشعر بوساوس، وخوف، ورعب لا تعرف سببه، وانقطع تواصلها معنا تماما، وأصبحت ترفض النقاش، وكلما سألناها تقول: شيطان، أو تتهمنا بأمور خيالية لا أساس لها، وتقولها بثقة تامة، ثم تسكت.

كما أصبحت تصدر عنها تصرفات اندفاعية، فقبل أيام سبقتنا وركبت المصعد وحدها، ثم اكتشفنا أنها ذهبت إلى صالون التجميل، وعادت وهي تضحك.

والأغرب أن والدتي سقطت، وأصيبت في رجلها، فكانت أختي تنظر إليها وتضحك ضحكا غريبا، رغم أنها في الأصل حنونة جدا على أمها، وفي السوق أيضا كانت تحرك رأسها، وتنظر إلى الناس بحدة، وتقول إنها تشعر بالدوار ولا تستطيع المشي.

والمحير أنها تعتني بنفسها تماما، فتأكل، وتلبس، وتغسل المواعين، وتتعامل مع الغرباء في صالون التجميل بشكل طبيعي جدا، لكنها تفقد السيطرة على تصرفاتها معنا، وتكرر: هذه كاميرا خفية، هيا، متى ستكشفونها؟.

أخذناها إلى طبيبة مخ وأعصاب، واشتكت من أوجاع في رأسها وقلبها، فأجرت لها تصويرا بالرنين المغناطيسي (MRI)، وكانت النتيجة سليمة تماما، وقالت الطبيبة: إن ما تعانيه مجرد قلق نفسي.

نحن في بلد آخر، وسنعود بعد أسبوع، ونريد منكم إجابة عن الآتي:
• هل يمكن للإنسان العاقل أن يفقد جزءا من عقله بهذه الصورة المفاجئة؟
• كيف نتصرف معها؟

وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Sajeda حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكر لك طلب الاستشارة من موقع إسلام ويب، وحرصك على مصلحة أختك، ونسأل الله أن يشفيها ويطمئن قلوبكم.

أختنا الكريمة، يبدو من وصفك أن أختك كانت طبيعية ومتزنة، ثم بدأ التغير بعد غياب والدتها شهرين، فاشتد شوقها وبكاؤها عند عودتها، ثم ظهرت تغيرات مفاجئة في تفكيرها وسلوكها. وقد يكون الفراق والضغط العاطفي قد أسهما في اضطرابها، لكنهما لا يفسران وحدهما ما ظهر لاحقا من أعراض، فالشعور بأن الآخرين يتآمرون عليها، أو وجود كاميرات تراقبها، والقصص غير المترابطة، والخوف الشديد، واضطراب النوم، كلها أمور تستدعي تقييما نفسيا دقيقا.

وقد تظهر هذه الأعراض في بعض الاضطرابات النفسية الحادة التي تؤثر في التفكير وإدراك الواقع، وهذا لا يعني بالضرورة أنها فقدت عقلها، أو أنها مصابة بالفصام، كما أن عدم نومها ثلاثة أيام أمر مهم، ويجعل مراجعة الطبيب النفسي أمرا ينبغي ألا يتأخر.

أما صراخها وبكاؤها عند قراءة القرآن، وقولها إن شيطانا أصابها، فلا يصح أن نجزم من ذلك بوجود مس أو سحر، فهذه الأعراض لها تفسيرات نفسية وطبية متعددة، ومع ذلك، فلا بأس بالرقية الشرعية، والمحافظة على الصلاة والأذكار وقراءة القرآن، من غير تخويفها أو إشعارها بأنها ممسوسة.

كذلك، فإن ضحكها عند إصابة والدتها لا يعني أنها فقدت محبتها لها، فقد يضطرب انفعال الإنسان، فلا يتناسب رد فعله مع الموقف، والأشعة السليمة أمر مطمئن، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد سبب ما يحدث، ولذلك يبقى التقييم الطبي والنفسي الشامل مهما. أنصحكم بمراجعة طبيب نفسي موثوق في أقرب وقت، فهو الأقدر على تحديد التشخيص ووضع خطة العلاج، سواء احتاجت إلى علاج دوائي، أو علاج نفسي معرفي سلوكي، أو كليهما.

وفي التعامل معها، ننصحكم بما يلي:

▪ لا تجادلوها في أفكارها، ولا تسخروا منها، ولا تحاولوا إقناعها بالقوة، بل خاطبوها بهدوء، وقولوا لها: نعرف أنك خائفة، ونحن معك وسنساعدك.
▪ خففوا عنها الضوضاء، والزيارات، وكثرة الأسئلة، وليكن حولها شخص هادئ تثق به، مع مساعدتها على النوم والراحة، وتناول الطعام والشراب.
▪ من المفيد تدوين بداية الأعراض وتطورها، وعدد ساعات نومها، والأدوية أو المنبهات التي تستخدمها، لعرض هذه المعلومات على الطبيب.
▪ لا تتركوها وحدها إذا أصبح سلوكها غير متوقع، وأبعدوا عنها ما قد تؤذي به نفسها أو غيرها.
▪ إذا حاولت إيذاء نفسها أو غيرها، أو أصابها هياج شديد، أو ارتباك متزايد، أو امتنعت عن الطعام والشراب، أو استمر الأرق مع تدهور حالتها، فاطلبوا الطوارئ فورا.

والأهم أن تصبروا عليها، وألا تنظروا إليها باعتبارها فقدت عقلها، بل باعتبارها إنسانة تمر بأزمة تحتاج إلى الأمان والاحتواء والعلاج. والأخذ بالأسباب الطبية لا يتعارض مع التوكل على الله، بل هو من الأخذ بالأسباب المشروعة، وقد قال النبي ﷺ: تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء رواه أبو داود والترمذي.

نسأل الله أن يشفي أختك شفاء تاما، ويرد إليها عافيتها وطمأنينتها، ويعينكم على الوقوف بجانبها بالحكمة والصبر.

مواد ذات صلة

الاستشارات