السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
اتفقت مع زوجي قبل الزواج على أنه إذا سافر للعمل خارج البلاد، فسيأخذني معه، وسألته عن قدرته على ذلك، فأكد لي أنني سأكون معه دائما، وكان هذا شرطا أساسيا بالنسبة لي قبل الزواج، كما أخبرته أنه إذا كانت لديه مسؤوليات تستدعي تأخير الزواج، فلا مانع لدي، لكنه رفض.
بعد الزواج، أصبح يسافر ولا يعود إلا مرة واحدة في السنة، وأحيانا يغيب سنة وثلاثة أشهر أو سنة وخمسة أشهر، ويتركني في منزل أهله، وأنا لا أستطيع الاستمرار في هذه الحياة وحدي، فطلبت منه إما أن يأخذني معه، أو أن يعود إلى بلدنا مرتين أو ثلاث مرات في السنة حتى أراه وأعف نفسي، لكنه يرفض، ويطلب مني التحمل بحجة أنه يساعد أخواته في تجهيز الزواج.
مع العلم أن والديه موظفان في وظيفتين مرموقتين، ولديهما عمل عائلي، ووضعهما المادي جيد، وليس لدي مانع من مساعدته لأهله، لكن:
• هل يجوز أن يكون ذلك سببا لحرماني من زوجي كل هذه المدة؟
• وهل يعد تركه لي عاما أو أكثر دون معاشرة، أو حياة زوجية مستقرة تقصيرا أو إثما شرعا، خاصة أنه وعدني قبل الزواج بأن أكون معه في سفره؟
• وهل إذا أردت الطلاق يكون علي إثم؟
وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ريم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لك الاهتمام والحرص على السؤال، ونسأل الله أن يهدي زوجك حتى يقوم بما عليه، ويتقي الله فيك، ونسأل الله أن يعينكم على الخير، وأن يؤلف القلوب، وأن يغفر الزلات والذنوب.
بداية، كنا بحاجة إلى أن نعرف الزوج بصورة شاملة من ناحية دينه، وصلاته، وأخلاقه، ثم من ناحية قيامه بالواجبات المالية؛ الإنفاق عليك، والاهتمام بك، وتوفير ما تحتاجينه أنت كزوجة، فهو مطالب بالإنفاق عليك، هذه النقطة الأولى؛ لأن هذا يعطينا الصورة الكاملة.
الأمر الثاني: مسألة التزامه الذي التزم به ولم يوف به، هذا قطعا يحتاج إلى وقفة، ولا يمكن أن نؤيده، حتى لو لم يتفق معك؛ فإن الزواج أصلا، الإنسان يتزوج لتكون الزوجة معه أو يكون معها.
ولكن لا نعرف: هل هناك ظروف خارجة عن إرادته؟ هل ذهابك معه سهل؟ وإلى أي مدى هو يتحمل الظروف العائلية؟ فقد يكون الأب غنيا، والأم غنية، والأسرة، لكنهم لا يبالون بإخوانهم، ولا يبالون بتزويجهم ومساعدتهم. وقد أسعدنا وأحسنت عندما قلت: "أنا لا أمنعه مساعدة أهله"، لكن عليه أن يدرك أن لك حقا عظيما، وما ينبغي أن يضيع هذا الحق بسبب أي إنسان؛ فالله سيسأله عن هذا الحق.
وغياب الأزواج عن زوجاتهم لا بد أن يكون باتفاق تام؛ فإذا لم ترض الزوجة، فالزوج عليه أن يعود لأهله، حتى لو لم يكن هناك شرط، وحتى لو لم يكن هناك اتفاق، ولكن أحيانا بعض الأزواج يتفق مع زوجته: "أنت تضحين وأنا أضحي من أجل أن نؤمن لكم مستقبلا، من أجل أن أبني لكم بيتا، من أجل كذا..."؛ فإذا كان هذا الكلام باتفاق ورضا، وقطعا هو يتحمل وهي تتحمل، فلا بأس.
أما في الحالة التي أنت تطلبين فيها وتلحين، وعنده وعد، وهو ينبغي أن يعود، فنحن نتمنى أن تشجعي تواصله معنا؛ لأن الرسالة ستوجه له، وسنبين له الحكم الشرعي، ونشدد معه في هذه المسألة، فحبذا لو شجعت تواصله مع الموقع ليقول هذا الكلام؛ ليقول: "أنا أتأخر على زوجتي، وقد اتفقت معها، وهي تطالبني بأن أعود لأعطيها حقها كزوجة ولأكون معها، وأنا لا أعود"، عند ذلك سيكون الكلام الشرعي واضحا جدا.
أما مسألة الطلاق، فلا نؤيد الاستعجال فيها، خاصة إذا كان مصليا، صائما، يرجى منه الخير؛ لأن كونه يساعد أهله ويصل رحمه، فهذا مؤشر كبير، لكن صلة الرحم ومساعدة الأهل ليست على حساب الزوجة، وليست على حساب الأبناء إذا وجد الأبناء مستقبلا، فلذلك نحن نريد أن ننظر للمسألة نظرة شاملة، ونريد أن نتوجه له برسالة من خبراء متخصصين وموقع متخصص.
بعض الرجال لا يسمع كلام زوجته، يقول: "امرأتي معاندة"، لكن الآن سيسمع كلاما شرعيا من خبراء هذا عملهم، وسنبين له حكم الله تبارك وتعالى.
طبعا لا تأثمين إذا رغبت في الطلاق بسبب ما تعانينه من غياب زوجك، وعدم حصولك على حقوقك الشرعية، لكننا لا نؤيد الاستعجال في اتخاذ هذا القرار، ولا نرى أن يكون الطلاق هو الخيار الأول ما دامت هناك فرصة للإصلاح والوصول إلى حلول مناسبة، فالطلاق لا يفرح سوى عدونا الشيطان.
ونحن على ثقة أن استمرار الوضع بهذه الصورة غير صحيح، لكن أرجو ألا تستعجلي في مسألة الطلاق حتى نسمع من زوجك، ونعرف ظروفه والأسباب التي تمنعه من العودة إليك، ثم نوجهه إلى ما يجب عليه شرعا تجاهك، ونطرح عليه خيارات عملية تساعد على تقليل مدة الفراق؛ كأن تتكرر زياراته لك، أو تزورينه أنت من وقت إلى آخر، أو تتفقا على ترتيب مناسب يضمن اجتماعكما بصورة منتظمة، ويحفظ لك حقوقك الزوجية.
هناك بعض الأزواج -وعندنا نماذج كثيرة من ذلك- قد تمنعهم ظروف العمل أو غيرها من العودة إلى زوجاتهم بصورة مستمرة، فيحاول الزوجان إيجاد حلول بديلة تخفف من مدة الفراق بينهما، كأن تزور الزوجة زوجها من وقت إلى آخر، أو يلتقيا في مكان مناسب لهما.
فمثلا، قد تذهب الزوجة مع أخيها إلى مكة، فيأتي الزوج إليها هناك، ويقضي معها بعض الوقت، ويؤديان العمرة، ثم بعد مدة قد يستضيفها الزوج في مكان عمله، أو يتمكن هو من زيارتها والبقاء معها مدة من الزمن، وهكذا يتعاون الزوجان على إيجاد حلول مناسبة بحسب ظروفهما وإمكاناتهما.
المهم ألا يستسلما لاستمرار البعد دون محاولة إيجاد حلول، وألا يكون طلب الطلاق هو الخيار الأول ما دامت هناك وسائل ممكنة للاجتماع وتقليل مدة الفراق، ونسأل الله أن يعينك على الخير. وطبعا هو يأثم وسيعرف هذا إذا كنت تشتاقين إليه وتحتاجين إليه وهو بعيد عنك، وسنقول له بوضوح: "إما أن تكون معها أو تكون معك، أو هي تكون معك".
نسأل الله أن يجمع بينكم في الخير، وأن يعينه على فهم واجباته الشرعية، وأن يعينك على الصبر، فلا تستعجلي مرة أخرى بطلب الطلاق؛ فإنه لا يفرح سوى عدونا الشيطان. ومثل هذه الظروف تتغير، ولا تدوم مثل هذه الظروف، لكن قل أن تجد المرأة زوجا مصليا يحبها ويقوم بالوفاء وكذا، فما بينكم أكبر من مشكلة أو موقف، وإن كان الموقف كبيرا.
نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.