نعيش بين مطرقة الظلم وسندان الخوف من العقوق.. أرشدونا

0 1

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أعرض على حضراتكم مشكلة أسرية معقدة، نعيش فيها بين مطرقة الظلم وضياع الحقوق، وسندان الخوف من الوقوع في عقوق الوالدين، ونرجو منكم توجيهنا توجيها شرعيا وعمليا واضحا.

والداي متزوجان منذ 25 عاما، ولهما أربعة أبناء (اثنان في الجامعة، وواحد في الثانوية، والابن الأصغر مريض باضطراب فرط الحركة، وتشتت الانتباه ADHD، ويحتاج لرعاية ومصاريف خاصة).

المشكلة تتلخص في النقاط الآتية:

- الخيانة والإنفاق الخارجي: اكتشفت أمي أن أبي على علاقة بامرأة أخرى (خيانة زوجية)، وأنه يقوم بالإنفاق عليها وعلى ابنتها بسخاء، وعندما واجهته أمي لم ينكر، ولم يتراجع، بل استمر في هذه العلاقة علنا.

- الظلم المالي والبخل علينا: أبي بخيل جدا معنا، ولا ينفق على البيت، أو على علاج أخي المريض، بل الأشد من ذلك، أن أمي امرأة موظفة، وهو يستولي على راتبها عنوة، لينفقه على نفسه وعلى علاقته الخارجية.

- طرد الأبناء: وصل به الأمر إلى طرد أخي الأكبر من البيت لمجرد أنه طلب منه مبلغا ماليا بسيطا (ألفي جنيه) للحاجة، وأخي مطرود، ولم يرجع حتى الآن.

- عجز العائلة: قمنا بعرض المشكلة على كبار العائلة للتدخل بالصلح أو الردع، لكن للأسف لم يخرجوا بأي حلول، واستمر أبي في طغيانه.

وأسئلتنا التي نرجو الإجابة عليها بدقة هي:

أولا (من الناحية الشرعية والعملية للأبناء): كيف يجب أن تكون شكل علاقتنا بأبينا الآن؟ هل نطالب بحقوقنا ونقاطعه، أم يجب علينا بره ومجالسته بالمعروف رغم هذا الظلم والطرد والبخل؟ ومتى يعد تصرفنا معه عقوقا؟

ثانيا (من الناحية الشرعية والعملية للأم): ما هو التصرف الصحيح لأمي؟ هل يحق لها شرعا الامتناع عن إعطائه راتبها؟ وهل الاستمرار معه في ظل الخيانة والاستيلاء على مالها أفضل أم الانفصال، خاصة مع وجود أعباء الأبناء والدراسة وأخي المريض؟

وجزاكم الله خيرا، ونفع بكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ سيد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يصلح أباك، ويحفظ أمك وإخوتك، ويرد إلى بيتكم الحقوق والمودة، ويعينكم على بر أبيكم من غير إعانة له على ظلم أو معصية، وبعد:

فما تصفه ليس خلافا عائليا يسيرا؛ فقد اجتمع -بحسب ما ذكرت- تقصير في النفقة، وأخذ لمال الزوجة بغير رضاها، وعلاقة محرمة بامرأة أجنبية، وطرد لأحد الأبناء، مع وجود أبناء ما زالوا محتاجين إلى النفقة والرعاية، ومنهم ابن له احتياجات خاصة، وهذه الأمور إن ثبتت كما ذكرت فهي تحتاج إلى إصلاح جاد، لكن ينبغي ألا يدفعكم خطأ أبيكم إلى إسقاط حقه في الأبوة، أو الوقوع أنتم في العقوق، ولبيان ما ينبغي عليكم فعله، نقسم الجواب إلى جانبين:

أولا: علاقتكم أنتم بأبيكم محكومة بالشرع:
فبر الأب واجب ولو كان عاصيا أو ظالما في بعض تصرفاته، والله قال: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ وقد جاءت هذه الوصية حتى في حق الوالدين إذا جاهدا ولدهما على الشرك، ولذلك لا يجوز لكم سبه، أو إهانته، أو رفع الصوت عليه، أو مقابلة ظلمه بظلم، أو اتخاذ معصيته مبررا للعقوق، لكن البر لا يعني السكوت عن المنكر، أو التنازل عن الحقوق، فلكم أن تنصحوه، وأن تطالبوا بحقوقكم بالمعروف، وأن تستعينوا بكبار الأسرة، أو أهل العلم، أو الجهات المختصة إذا تعذر الوصول إلى الحقوق بطريق آخر، والقاعدة أن الطاعة إنما تكون في المعروف، فلا يلزمكم طاعته في ظلم أو معصية.

أما النفقة:
فمن كان من أبنائه محتاجا إلى النفقة، وهو ممن تجب عليه نفقته شرعا بحسب حاله وقدرته، فلا يجوز له أن يتركه محتاجا وهو قادر، وتتأكد المسؤولية في شأن الابن الذي يحتاج إلى رعاية ونفقات خاصة؛ فصرف المال في علاقة محرمة، مع تضييع من تلزمه نفقتهم يجمع بين معصية وتفريط في الحقوق.

ونحن لا ننصحكم بمقاطعة أبيكم، أما إن كانت مجالسته تؤدي دائما إلى السب، أو النزاع، وإلى الدخول في خلافات ومشاكل أكبر، فيمكن تقليل الاحتكاك مع إبقاء أصل البر: السلام، والسؤال، والكلام بأدب، وقضاء ما يجب من حقه؛ فهناك فرق بين تقليل المخالطة دفعا للضرر، وبين قطيعة الأب انتقاما منه.

وأما أخوكم الذي طرده:
فلا ينبغي أن تجعلوا الخلاف بينهما سببا لقطيعته؛ فحاولوا الإصلاح، وليدخل شخص يحترمه أبوكم، دون تحد أو تجمع الأبناء عليه؛ لأن شعوره بأن الجميع يحاصرونه قد يزيد عناده.

ثانيا: موقف أمكم وحقوقها:
فراتب أمكم ملك لها، وليس للزوج أن يستولي عليه لمجرد أنها زوجته أو موظفة، قال تعالى: ﴿للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن﴾ فإن أعطته منه برضاها فهو مال بذلته باختيارها، أما أخذه عنوة فلا يحل له، ومن حقها أن تمنع راتبها عنه وتحفظه لنفسها وحاجاتها وأولادها، ما لم يكن بينهما اتفاق مالي معتبر يقتضي شيئا معينا.

والنفقة الأصلية على الزوج بحسب قدرته، ولا تنتقل إلى الزوجة لأنها تعمل، بل حتى لو كانت أغنى منه، وعليه فلا يصح أن يأخذ راتبها ثم ينفقه على نفسه أو غيره.

أما علاقته بالمرأة الأخرى:
فإن كان المقصود علاقة محرمة خارج الزواج كما ذكرت، فالواجب عليه قطعها، والتوبة إلى الله، ولا يبررها خلافه مع زوجته أو أي تقصير منها، وإنفاقه عليها لا يسوغ له أن يضيع الحقوق الواجبة لأسرته.

وأما هل تبقى أمكم معه أم تطلب الفراق:
فلا ينبغي أن يتخذ القرار تحت ضغط الغضب وحده، ولا نستطيع أن نقول لها: تطلقي، لمجرد ما نقل إلينا من طرف واحد بعد خمسة وعشرين عاما وأربعة أبناء، ينبغي أن تسبق ذلك محاولة إصلاح جادة وواضحة: قطع العلاقة المحرمة، ووقف أخذ راتبها بغير رضاها، والقيام بالنفقة الواجبة، ومعالجة وضع الابن المطرود، وتحمل مسؤولية الابن المحتاج إلى الرعاية، فإن تاب أبوكم وأصلح ما أفسد وأعاد الحقوق، فإصلاح بيت مضى عليه ربع قرن خير عظيم.

أما إذا أصر على العلاقة المحرمة، واستمر في أخذ مالها، وتضييع حقوق الأسرة، وأصبحت الحياة معه ضررا لا يحتمل، فلأمكم أن تستفتي في طلب الطلاق، أو الخلع بحسب تفاصيل حالها، ولا يلزمها شرعا أن تبقى إلى غير نهاية في ضرر مستمر باسم المحافظة على الأسرة.

واعلم أن ما أصاب أسرتكم من هذا الاضطراب هو من البلاء الذي يحتاج إلى الصبر والاحتساب، ولكم أجر ما تتحملونه في سبيل البر والإصلاح، وحفظ الأسرة، لكن الصبر الشرعي ليس أن تترك الحقوق تضيع والمنكر يستمر، بل يجتمع فيه احتمال ما يمكن احتماله مع السعي إلى الإصلاح ودفع الضرر بالوسائل المشروعة، كما ننصحكم ألا تجعلوا الأبناء طرفا في تفاصيل العلاقة بين أبيهم وأمهم أكثر مما تدعو إليه الحاجة.

ساعدوا أمكم واحفظوا حقوقها، وانصحوا أباكم، لكن لا تحولوا البيت إلى فريق للأم في مواجهة فريق للأب؛ فهذا يضاعف الخراب، وخصوصا على الابن الأصغر. والأفضل الآن عقد جلسة أخيرة بحضور رجلين لهما حكمة وتأثير حقيقي على أبيكم، ويكون الكلام فيها محددا لا عاما: العلاقة المحرمة، وراتب الأم، ونفقة البيت والأبناء، وعلاج الابن ورعايته، ووضع الابن المطرود. فإن تعذر الإصلاح العائلي، فلكل صاحب حق أن يلجأ إلى الوسيلة الشرعية والنظامية التي تحفظ حقه دون تعد أو انتقام.

نسأل الله أن يهدي أباك إلى التوبة النصوح، ويرده إلى أسرته ردا جميلا، ويحفظ مال أمك وكرامتها، ويعينكم على بر أبيكم مع إنكار خطئه، ويصلح حال إخوتك، ويشفي أخاك ويعينكم على رعايته، ويجمع بيتكم بعد هذا الاضطراب على العدل والمودة والرحمة، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات