السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حاولت مئات المرات، ومئات المرات، ومئات المرات -لا أكذب- في الإقلاع عن العادة السرية والإباحية، ومهما أقسمت مع نفسي، ومهما عاهدت الله، ومهما جلدت ذاتي، لم أستطع التوقف، وبحثت وبحثت، وسمعت مواعظ كثيرة، لكن لا أعلم، أشعر أن قلبي أصبح قاسيا من كثرة المعاصي.
أحيانا أتوب إلى الله، وبعدها بقليل أقع مرة أخرى، وهكذا تستمر الدائرة، وقد حاولت بشتى الطرق، بالصيام وغيره، لكنني لم أجد ما يجدي نفعا، ولعبت الرياضة وغيرها، ومع ذلك لم أستطع التوقف.
أصبحت أصلي الفرائض بثقل، وأصلي ولا أشعر بالصلاة، وكأنني جماد، جسد بلا روح، كما أن لدي دائما شعورا بالقلق من أي شيء، ولدي أيضا وسواس قهري في الدين، وبشأن المستقبل وغيره، ولا أستطيع الهدوء والتوقف عن ذلك، أحاول أن أمنع نفسي بشتى الطرق من العادة والإباحية، لكنني أضعف وأقع مرة أخرى.
هل من حل؟ وما العمل؟ أفيدوني، جزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ ... حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكركم على تواصلكم معنا، وثقتكم بموقعنا.
فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك خضت معركة طويلة مع هذه العادة، وأنك تعود إلى الله ثم تتعثر، وأن ذلك أثقل قلبك وصلاتك، مع قلق ووساوس تلاحقك في الدين والمستقبل، ومن الطبيعي جدا أن تتعب من هذه الدائرة، لكن ابدأ بهذه الحقيقة: توجعك من الذنب وعودتك إلى الله في كل مرة، دليل حياة في قلبك، فالقلب القاسي حقا لا يتألم ولا يسأل عن الحل.
يمكن أن ننظر إلى مشكلتك من ثلاث زوايا:
• الأولى: دائرة الذنب، تقع في الفعل، ثم يأتيك شعور بالعار وجلد الذات، ثم يشتد التوتر، فتبحث عن راحة سريعة بالفعل نفسه، فجلد الذات لا يعالج الدائرة بل يغذيها، والإسلام يطلب منا الندم والإقلاع والعزم على عدم العود، ولا يطلب تعذيب النفس، قال النبي ﷺ: كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، وقال: الندم توبة، قال تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا علىٰ أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ۚ إن الله يغفر الذنوب جميعا } (الزمر: 53).
• الثانية: الصلاة بلا شعور، محافظتك على الفرائض رغم الثقل انتصار في حد ذاته، والخشوع يزداد بالتدريج ويضعف عند القلق والإرهاق، عليك بالاستمرار، وأن تقرأ في صلاتك بتمهل، وتسأل الله صراحة أن يرزقك حضور القلب، وأن تحفظ سنن الصلوات؛ لأنها تجبر النقص.
• الثالثة: القلق والوسواس، لا نشخص عبر الموقع، ولكن للأمانة يلزمك زيارة طبيب نفسي، أو أخصائي للتقييم، فالأفكار الملحة التي لا تتوقف مع القلق الدائم قد ترهق صاحبها، وتدفعه إلى البحث عن تهدئة سريعة في العادة نفسها، ومن الأمور المعروفة أن العلاج السلوكي المعرفي يفيد كثيرا في مثل هذه الحالات، وتذكر توجيه النبي ﷺ لمن أصابه الوسواس: فليستعذ بالله ولينته، أي أعرض عن الفكرة ولا تجادلها ولا تطلب اليقين منها.
ومن الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله-:
• اقطع أسباب الإثارة بتثبيت برامج الحجب على أجهزتك، واترك الهاتف خارج غرفة النوم، ولا تخل بالجهاز، فأكثر السقوط يقع عند السهر والوحدة والملل.
• الرغبة تشبه الموجة، ترتفع ثم تهدأ خلال دقائق، فإذا جاءتك فقم فورا وتوضأ وغير مكانك وصل ركعتين، أو اتصل بصديق، ولا تصارع الفكرة، بل غير ما بين يديك.
• نم مبكرا، ورتب يومك حول الصلوات، وحافظ على الرياضة، وأكثر من الذكر.
• إذا تعثرت فبادر بالوضوء والركعتين والاستغفار في الحال، ولا تتركها فرصة للسقوط الثاني، ثم دون ما سبق السقوط من وقت ومكان وشعور لتسد هذه الثغرة.
• اختر صديقا صالحا أو مرشدا تثق به يتابع معك، واستعن بمختص في علاج السلوكيات القهرية.
• الصيام وحده لا يكفي، وإنما ينفع مع تغيير البيئة والعلاج، فلا تحكم على نفسك بالفشل لأنه لم يكف وحده.
قال الشاعر:
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها *** فرجت وكنت أظنها لا تفرج
وأخيرا: مئات المحاولات ليست مئات الهزائم، فكل محاولة منها تدريب لعزيمتك وطاعة تكتب لك، والمعارك الطويلة لا تحسم بالقسم، بل بالخطة والصبر والدعم، فابدأ اليوم بخطوة واحدة واضحة، ولا تنتظر أن تصير مثاليا لتبدأ، وشاركنا بعد أسابيع كيف صار حالك.
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.