الصراخ والبكاء عند تذكر الماضي يرهقني نفسيًا

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أريد نصيحتكم، فأنا كلما تذكرت فكرة سيئة أبدأ بالصراخ والبكاء، ولو كانت الساعة الرابعة فجرا، حتى إنني عدت لا أطيق نفسي، ولا أستطيع كبح مشاعري أبدا، تعرضت لظلم في شبابي، وكانت طفولتي سيئة جدا، وعدت لا أستطيع تحمل نفسي، ولا أقدر على التعامل مع هذا الأمر، ولا شيء يهدئ أعصابي إلا الأغاني.

ورغم أنني لست بعيدة عن الله، ومحافظة على الصلاة والأذكار، ودائما أطلع على كتب التفقه وقصص الصحابة، فإنني لم أعد أطيق نفسي، فما أفعله معصية لله من نواح كثيرة، حاولت مرارا وتكرارا كبح عصبيتي والتوقف عن سماع الأغاني، ولكنني في كل مرة أعود إلى نقطة الصفر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أريد نصيحتكم، فأنا أهدر وقتي وشبابي فيما هو ضار.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ملك حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك على تواصلك معنا وثقتك بموقعنا.

فهمنا من رسالتك - أختي الكريمة - أنك تعيشين حالة من الانفجار الانفعالي الحاد، تصل بك إلى البكاء والصراخ في أي وقت، وأنك بعدها لا تطيقين نفسك، ولا تقدرين على ضبط هذه الموجة مهما حاولت، وفهمنا أيضا أن خلف هذا الانفعال جرحا قديما، وظلما تعرضت له في شبابك، وطفولة لم تكن رحيمة بك، وأن الأغاني أصبحت الملاذ الوحيد الذي يهدئ أعصابك، رغم أنك ترينها معصية من كل ناحية، وأنك تشعرين بأنك تهدرين وقتك وشبابك فيما يضرك.

هذا شعور مؤلم فعلا، ومن الطبيعي جدا أن يترك الظلم القديم أثرا لا يزول بمجرد النية الطيبة أو المحاولة المتكررة، فالجراح النفسية لا تشفى بقوة الإرادة وحدها، وهذا ليس تقصيرا منك، بقدر ما هو دليل على أن هناك ألما لم يعالج بعد من جذوره.

ويمكن أن ننظر إلى ما تمرين به من زاويتين:

• الأولى: أن هذا الانفعال الحاد ليس سلوكا عشوائيا، بل هو لغة الجسد والنفس حين تثقلان بذكرى مؤلمة، ولا تجدان طريقا آمنا للتنفيس عنها، فتخرج على شكل صراخ وبكاء؛ لأن الكلام والمواجهة لم يتيسرا وقت وقوع الظلم.

• والثانية: أن الأغاني -رغم كونها لا تحل المشكلة- أصبحت وسيلتك الوحيدة للتهدئة؛ لأنك لم تجربي بعد بديلا يمنحك الأثر المهدئ نفسه بطريقة مشروعة، فحين تشعر الفتاة بأنه لا شيء غير هذه الوسيلة يريحها، يصعب عليها تركها، وإن استغفرت منها مرارا، قال الله سبحانه وتعالى: {ولا تيأسوا من روح الله ۖ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}، فالذي حفظك بعد ما مررت به من ظلم، ولا زلت محافظة على صلاتك وأذكارك وطلبك للعلم، قادر على أن يبدل هذا الاضطراب سكينة، كما أن هذا الثبات على الطاعة -رغم الألم- نعمة عظيمة في حد ذاته، لا يقدرها كثير ممن مررن بمثل ما مررت به.

ومن الأمور التي ستعينك -بإذن الله-:

• أن تفهمي أن الساعة الرابعة فجرا التي تنفجرين فيها ليست لعنة عليك، بل يمكن أن تجعليها وقتا للجوء إلى الله، فحين تشعرين بأن الموجة قادمة، حاولي أن توجهيها إلى الله مباشرة، بدلا من أن تتركيها تنفجر بلا وجهة، فاسجدي وابكي بين يديه، واشكي له ما بداخلك بكلامك أنت، لا بكلام محفوظ، فالبكاء بين يدي الله لا يشبه البكاء وحدك في الظلام، وقد قال النبي ﷺ: عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له.

• ومع هذا اللجوء إلى الله، من المهم أن تبدئي بتفريغ ما بداخلك بطريقة أخرى غير الانفجار المفاجئ، كأن تكتبي ما يؤلمك في ورقة كل ليلة قبل أن يتراكم، فالكتابة تخرج الشحنة بهدوء، بدلا من أن تخرج صراخا.

• وحين تشتد بك الرغبة في سماع الأغاني، لا تحاولي قطعها دفعة واحدة، فتفشلين ثم تيأسين، بل استبدليها تدريجيا بشيء له الأثر المهدئ نفسه، كالاستماع إلى القرآن بصوت هادئ، أو ترديد ذكر بسيط بصوت مسموع، يشغل الحاجة نفسها التي كانت الأغاني تشغلها، فالنفس لا تقتنع بالفراغ، وإنما تقتنع ببديل يشبه ما تركته في الأثر، لا في الحكم.

أختي الكريمة، إن ما تصفينه من انفعال لا تستطيعين كبحه -رغم محاولاتك المتكررة- وأثر ظلم قديم من الطفولة والشباب ما زال حيا يوقظك في جوف الليل، أمر يتجاوز ما يمكن أن تقدمه نصيحة عامة -مهما بلغت من الصدق- وهذا النمط يحتاج إلى جلسات متخصصة مع معالجة نفسية تساعدك على معالجة الجرح القديم من جذوره، لا أعراضه فقط، فالانفعال الذي تعيشينه غالبا صدى لألم لم يجد طريقه إلى المعالجة بعد.

ومواجهة هذا الألم بطريقة متخصصة، من شأنها أن تخفف عنك كثيرا مما تحملينه وحدك الآن، وطلب هذه المساعدة ليس ضعفا، ولا يتعارض مع توكلك على الله، بل هو من الأخذ بالأسباب التي أمرنا الله بها.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.

مواد ذات صلة

الاستشارات