السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أحتاج إلى نصيحتكم في كيفية التعامل مع والدي؛ لأن الوضع داخل البيت أصبح مرهقا جدا لي ولأمي وإخوتي.
والدي كثير الانتقاد واللوم لنا، ونادرا ما يسأل عن أحوالنا أو يهتم باحتياجاتنا، ويبدو أن أكثر ما يهمه هو الأخبار أو الأمور التي يستطيع أن يتفاخر بها أمام الناس، كما أنه كثيرا ما ينتقص من الآخرين ويغتابهم عندما نتحدث عن أي شخص أمامه.
والمشكلة الأكبر أنني أعتقد أنه مدمن على القمار والمخدرات، لكنه يخفي ذلك عنا، ولا أعرف كيف يمكنني مواجهته بهذا الموضوع، أو التحدث معه عنه دون أن تتفاقم الأمور.
كما أنه لا يصلي، وقاطع لرحمه، وهناك الكثير من التصرفات الأخرى التي تجعل التعامل معه صعبا جدا.
وآخر موقف حدث جعلني أشعر بالعجز والظلم، فقد اشترى لي أحد أقاربي سيارة لمساعدتنا في قضاء حوائج المنزل، والسيارة ملك لي، لكن والدي أخذها مني، وأصبح يغضب ويقاطعني إذا طلبت منه أن يعيدها إلي، أو حتى إذا أردت أخذها لمدة قصيرة.
وفي المقابل، هو لا يستخدمها غالبا لمصلحة الأسرة، وإنما يأخذها أحيانا للذهاب إلى المقهى.
وأنا لا أريد أن أقطع علاقتي بوالدي أو أعقه، وفي الوقت نفسه لا أريد أن أسمح باستمرار الأذى الذي تتعرض له أمي وإخوتي، ولا أعرف كيف أضع حدودا معه دون أن تتحول الأمور إلى صدام أكبر!
وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الله، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نرحب بكم في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يفرج همكم، ويصلح والدكم، ويجعل لكم من أمركم رشدا.
من المهم - أخي الكريم - أن ننظر أولا إلى أصل المشكلة التي ذكرتها، وأخطر ما فيها من الناحية الشرعية؛ لأن بعض صور الخلل في التعامل قد تكون مرتبطة بضعف الصلة بالله والتفريط في فرائضه.
فابتلاء الأسرة بأب تارك للصلاة ابتلاء شديد، ولا يستبعد معه أن يقصر في بعض ما يجب عليه من الواجبات، كقلة الاهتمام بأسرته، وقطيعة الرحم مع بقية أقاربه.
كذلك لا يستبعد منه اقتراف المحرمات، فمن قطع علاقته بالله -رب العباد- فقد يترتب على ذلك خلل في علاقته بالعباد، ومع ذلك، ومن باب قول النبي ﷺ: ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء، فلا تقنط من صلاح الوالد، ولا يعني ما ذكرته أنكم عاجزون عن حماية أنفسكم مع المحافظة على بر الوالد وصلة الرحم.
وأول ما ننصحكم به هو: السعي في علاج المصيبة الأولى، وهي ترك الوالد للصلاة؛ لأن حلها مفتاح لحل بقية المشكلات، فمن قطع حبل صلته بالله فقد قطع الحبل الشرعي الذي يربطه بمن حوله من المسلمين، ومن بينهم أقرب الناس إليه -أسرته-، فإذا رجع إلى الصلاة؛ فقد أعاد حبل صلته بالله، وعندها نرجو أن تتحسن صلته بكم -أخي الكريم-.
لذلك: عليكم التركيز أولا على معالجة مشكلة ترك الوالد للصلاة؛ لأن ترك الصلاة من أعظم الذنوب، وهو من أبرز مواطن الخلل في سلوك الوالد، وأشد خطرا من القمار والمخدرات.
وإصلاح هذه المشكلة قد يكون مفتاحا لإصلاح بقية السلوكيات الخاطئة؛ لأن من عاد إلى الصلاة عاد إلى الله، ومن عاد إلى الله نرجو أن يناله حفظ الله وتوفيقه، وبهما يرجع صلاح حاله، وعادة ما يظهر أثر الصلاح أولا في تعامل الإنسان مع أسرته، ثم مع بقية الناس - الأقرب فالأقرب -.
والتذكير بالصلاة ينبغي أن يكون برفق ولطف، ويمكنكم الاستعانة بأحد الدعاة أو الصالحين ممن ترون أن الوالد يقدره ويحترمه، ولا ننصحكم بمواجهته بطريقة حادة أو مستفزة؛ لأنه قد تأخذه العزة بالإثم، ويزداد عنادا وقسوة.
أما بخصوص تصرفات الوالد تجاه الوالدة، فننصحكم بتأجيل مناقشتها إلى ما بعد محاولة السعي في عودة الوالد إلى القيام بفريضة الصلاة؛ لأن كيفية معالجة مشكلاته مع الوالدة تعتمد - إلى حد كبير - على نتيجة السعي في علاج مشكلة ترك الصلاة.
فإذا تاب الوالد وأقام الصلاة، أمكن عندها بحث المشكلات بنية الإصلاح، أما إذا أصر على ترك الصلاة، فننصحكم بالرجوع إلى أحد أهل العلم أو المفتين؛ لبيان الحكم الشرعي المتعلق ببقاء الوالدة في ذمته من عدمه.
وكذلك بخصوص السيارة، فننصحك بأن تهدئ من مطالبتك بها إلى أن تتضح نتيجة السعي في إصلاح أمر الصلاة، بل حاول أن تلين له الجانب، وتشعره بأنك حريص على بره ورضاه، مع الحرص على دعوته إلى العودة إلى الصلاة.
ختاما: نسأل الله أن يصلح والدكم، وأن يرفع عنكم هذا البلاء، وأن يجعل لكم من كل هم فرجا.