السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا بنت كنت جدا مهتمة بالجانب الديني، ولذلك كنت ملتزمة بالصلاة والأذكار، وكنت أحفظ القرآن، لكن منذ سنة تقريبا -من وقت نتائج الثانوية- تغير حالي. صرت مقصرة في الصلاة، وتركت حفظ القرآن والأذكار، وأشعر بعدم التوفيق في حياتي، وانعدام البركة فيها، كما أن مشاعر الخوف والتوتر مسيطرة علي بسبب ومن دون سبب، وأعاني من مشكلات في جوانب كثيرة من حياتي.
وأصبحت مدمنة على الأغاني والتخيلات، وأضيع وقتي كثيرا، ومشكلتي أنني أعرف الصواب، وأعرف ماذا أفعل حتى تتحسن أموري، لكنني غير قادرة على التطبيق! وأي أمر واجب علي أشعر به كأنه جبل على ظهري، فأهرب منه وأتجنبه، وأشعر أنني أدمنت الراحة، ودائما أبحث لأعرف لماذا أشعر هكذا، وما حل ما يحدث معي.
لكن عندما يبدأ وقت الجد والعمل أشعر بمشقة شديدة، وفي النهاية أستسلم، حتى إنني عانيت من هذا الأمر في الثانوية، فقد كنت من الأوائل في المدرسة، لكن معدلي في التوجيهي كان سيئا.
وفي هذه الفترة أشعر بالاستسلام وتقبل الوضع، وما يخيفني أكثر أن ضميري لم يعد يؤنبني كما كان من قبل، فقد أحزن قليلا، ثم أنشغل وأنسى، وأشعر بحزن وغم في قلبي، وأرى نفسي شخصا متأخرا وفاشلا في كل شيء.
أريد حلا لما أنا فيه، وشكرا مقدما.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ لجين حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك - أختي الفاضلة - في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يلهمنا وإياك السداد والرشد في القول والعمل.
أختي الكريمة، تتلخص المشكلة التي تمرين بها في ثلاثة أمور رئيسية: معرفة الخلل مع عدم القدرة على التغيير، وانعدام الشغف والدافعية، ثم الاستسلام النفسي لما يسمى منطقة الراحة، ولمعالجة هذا الأمر تحتاجين أولا إلى فهم طبيعة النفس والإيمان، والتعامل مع نفسك بصورة صحيحة، ومن أهم ذلك:
• أولا: إعادة ضبط النية والتصالح مع الذات، واعلمي - أختي الكريمة - أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الفتور قد يصيب الإنسان، ومحاولة إلغاء هذه الحالة تماما ليست من طبيعة النفس البشرية. فالمهم هو ألا يتحول الفتور إلى استسلام طويل أو انقطاع كامل، وقد جاء في الحديث: إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك.
• ثانيا: التوقف عن جلد الذات، فلا تجعلي الشيطان يدخل إلى قلبك من باب اليأس والعجز، فالاستغراق في لوم النفس لا يقود غالبا إلى الإصلاح، بل قد ينتهي بالاستسلام والقنوط. فالمطلوب ليس أن تعاقبي نفسك على ما مضى، وإنما أن تنظري إليه باعتباره أمرا يحتاج إلى إصلاح، ثم تبدئي بالتوبة والرجوع إلى الله، وفهم أهمية المبادرة والإيمان في بناء النفس، فالكبوة لا تعني النهاية، بل قد يكون قيام الإنسان بعدها أقوى وأثبت مما كان عليه قبلها.
• ثالثا: التدرج وفهم الأولويات، فلا تطالبي نفسك بالعودة إلى كل ما تركته دفعة واحدة؛ لأن ذلك قد يزيد شعورك بالعجز، فابدئي بالأهم، ثم انتقلي إلى غيره، واجعلي طريقك قائما على خطوات صغيرة يمكن الاستمرار عليها.
• رابعا: فصل التكليف عن المشاعر، فلا تجعلي الصلاة والعبادات مرتبطة بوجود الشغف أو الراحة النفسية، فنحن نعبد الله لأنها عبادة ومسؤولية، لا لأننا نشعر دائما بالرغبة فيها، فابدئي بالفعل، فإن الراحة والإقبال كثيرا ما يأتيان بعد العمل لا قبله.
• خامسا: كسر منطقة الراحة وصناعة البداية، فطبقي قاعدة الخطوة الأدنى، وقد قال النبي ﷺ: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، فإذا ثقلت عليك مهمة، فقسميها إلى أجزاء صغيرة: خمس دقائق من العمل، أو صفحتين من القراءة، أو ربع وجه من الحفظ.
فالثقل الأكبر غالبا يكون في لحظة البداية؛ بسبب الشعور بمشقة الإنجاز، وبمجرد تجاوزها يصبح الاستمرار أسهل، ومع الإنجاز تتولد الدافعية تدريجيا، وتذكري دائما أن الفعل والعمل يسبقان الشغف. أما الهروب إلى الأغاني والتخيلات المفرطة، فقد يكون وسيلة للهروب من واقع مليء بالمسؤوليات، وعلاجه يكون بتقليل العزلة السلبية، وشغل الوقت بالرياضة، والهوايات، والتعلم، والأعمال النافعة.
وأخيرا - أختي الفاضلة -: داومي على الدعاء، واحرصي على الصحبة الصالحة، واجعلي لك نصيبا ثابتا من القرآن والذكر والدعاء، ولو كان قليلا، فالقليل المستمر خير من الكثير المنقطع.
وفقك الله، ويسر أمرك.