طلقت زوجتي بإلحاح منها وندمت على ذلك، فكيف أتخطى هذا الأمر؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كنت متزوجا من امرأة ما شاء الله عليها، لا ينقصها شيء، وفي بداية زواجنا لم تكن تعجبني، وكنت أتمنى أن أطلقها، لكن مع مرور الوقت أحببتها وتعلقت بها، وقدر الله ألا أرزق منها بأولاد.

وبعد التشخيص تبين أن حالتي ميؤوس منها، ولدي شك قوي أننا تعرضنا لسحر التفريق، وبعد خمس سنوات من الزواج، وبعد إلحاح كبير منها ورغبتها الشديدة في الإنجاب، خفت أن أظلمها، فطلقتها وأحسنت إليها، لكنني شعرت بندم شديد، وحاولت إرجاعها، لكنها رفضت، وأهلها ساندوها في هذا الأمر.

لذلك شعرت أن الله عاقبني؛ لأنني كنت أتمنى طلاقها في الأيام الأولى من زواجنا، وقد تعلقت بها أكثر بعد الطلاق، رغم علمي باستحالة اجتماعنا من جديد؛ لأنني لا أنجب، وهي راغبة في الإنجاب.

ولتجاوز هذا الأمر، تزوجت من امرأة أخرى تقبلت حالتي المرضية، لكنني لم أشعر بالراحة معها، فزوجتي الأولى أفضل منها دينا وخلقا وجمالا، لذلك أشعر أن الله يعاقبني بسبب تفريطي في زوجتي الأولى.

وأنا الآن محتار، أخاف أن أظلم زوجتي الجديدة معي، وأريد نسيان طليقتي بكل الطرق، لكنني لا أستطيع، أما هي فلم تتأثر أبدا بالطلاق، بل فرحت كثيرا؛ لأنها تخلصت مني. فأصبحت أعاني من وساوس كثيرة تراودني، وأخاف أن يتكرر معي الأمر نفسه مع زوجتي الثانية، وقد يصل بي الأمر في بعض الأحيان إلى التسخط -والعياذ بالله-، وأتمنى الموت.

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

انصحوني، جزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ ح حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يجبر قلبك، ويرزقك الرضا بقضائه، ويبارك لك في زوجتك، ويصرف عنك الوساوس والتسخط. لقد اجتمع عليك ألم عدم الإنجاب، ثم فراق امرأة أحببتها بعد سنوات من العشرة، ثم الندم بعد الطلاق، ثم دخولك زواجا جديدا وقلبك لا يزال يقارن بين الحياتين، وهذا من الابتلاء الشديد، ولك في الصبر والاحتساب ومجاهدة نفسك أجر -بإذن الله-.

لكن ينبغي أن تفصل عن ذلك فكرة أخرى ترهقك، وهي قولك: الله يعاقبني لأنني كنت أتمنى طلاقها في بداية الزواج، فنحن لا نملك أن نجزم بأن ما وقع لك عقوبة من الله؛ فأقدار الله لا تفسر بهذه الطريقة بلا دليل، ومجرد أنك لم تستحسن زوجتك في بداية الزواج، وتمنيت الفراق، ثم أحببتها بعد ذلك، ليس بالضرورة ذنبا تستحق عليه أن تعاقب بفقدها.

بل اعلم أن أهل العلم قالوا: إن العين ترى غير المقدور عليه على غير ما هو عليه، والشيطان له دوره في تحسين ما لا تملك وتقبيح ما تملك، ولا شك أنه سيريك تميز السابقة، وسيضخم لك تقصير الزوجة الحالية، حتى يصرفك عنها ويعلقك بما لا تملك، وهذا ديدنه، فانتبه منه، ولكي تخرج من هذه الدائرة، ننصحك بما يلي:

• أولا: لا تجزم بأن سحر التفريق هو الذي أنهى زواجكما؛ فالسحر حق، لكن الشك القوي ليس دليلا على وقوعه، وأمامك سبب ظاهر ذكرته بنفسك: زوجتك كانت شديدة الرغبة في الإنجاب، وأنت أخبرك الأطباء أن حالتك لا يرجى معها الإنجاب، ثم طلقتها خشية أن تحرمها رغبتها، فلا تترك السبب الواضح وتعيش أسير احتمال غيبي لا تستطيع إثباته.

• ثانيا: لا تعذب نفسك بسبب قرار الطلاق وحده؛ فقد اتخذته يومها وأنت تريد ألا تظلمها، وأحسنت إليها عند الفراق كما تقول، وربما ندمت بعد أن شعرت بقيمة ما فقدت، لكن الندم اللاحق لا يثبت أن القرار وقتها كان ظلما أو جريمة، وقد حاولت إرجاعها فرفضت، ومن حقها بعد الطلاق أن تختار ما تراه أصلح لحياتها.

• ثالثا: توقف تماما عن الانشغال بموقف طليقتك بعد الفراق: هل حزنت أم فرحت؟ وهل ما زالت تذكرك أم تجاوزتك؟ وهل أصبحت حياتها أفضل أم أسوأ؟ كل ذلك لم يعد من شأنك، ولن يغير من واقعك شيئا، وإنما يزيد تعلقك بها. لقد انتهت العلاقة، واختارت هي عدم الرجوع، وأنت تزوجت امرأة أخرى، فالوفاء لحق زوجتك الحالية يقتضي أن تغلق باب الأولى في قلبك وواقعك، لا أن تظل تقيس مشاعرك بمشاعرها، وحياتك بحياتها.

• رابعا: مشكلتك الأكبر الآن ليست طليقتك، وإنما المقارنة، أنت تقارن زوجتك الحالية بالأولى في الدين والخلق والجمال والراحة، وكل مقارنة تزيد الأولى في قلبك وتنقص الثانية في عينك، وهذا ظلم لزوجتك الجديدة التي قبلتك وهي تعلم حالتك، ودخلت حياتك على أمل أن تكون زوجا لها، لا أن تعيش في منافسة مع امرأة غائبة.

• خامسا: لا تنتظر أن تنسى الأولى تماما حتى تحسن معاشرة الثانية؛ فقد لا تمحى خمس سنوات من الذاكرة. المطلوب أن تكف عن تغذية التعلق: لا تتابع أخبار طليقتك، ولا تسأل عنها، ولا تسترجع صور حياتكما، ولا تتخيل كيف كان يمكن أن تكون حياتكما، فالذكرى شيء، والإقامة داخل الذكرى شيء آخر.

• سادسا: أعط زوجتك الحالية فرصة حقيقية، لا تطلب منها أن تكون نسخة من الأولى، ولا تجعل كل صفة فيها تعرض على ميزان طليقتك، ابحث عما فيها هي من خير، وأحسن صحبتها، واخرج معها، وتحدث إليها، واصنعا ذكرياتكما الخاصة، قال تعالى: {وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا}.

• سابعا: لا تتعجل الطلاق مرة أخرى لأنك لا تشعر الآن بالراحة نفسها، أنت دخلت الزواج الثاني وقلبك ما زال متألما، فمن الطبيعي ألا تتكون المودة في يوم وليلة، تذكر تجربتك الأولى نفسها: تقول إن زوجتك الأولى لم تعجبك في البداية، ثم أصبحت بعد سنوات أحب الناس إليك، فلماذا تحكم على الثانية في بدايتها بما لم تحكم به على الأولى إلا بعد خمس سنوات؟

وهذه نقطة مهمة جدا في قصتك: التجربة الأولى نفسها تعلمك ألا تجعل مشاعر البداية حكما نهائيا على الزواج.

• ثامنا: أما عدم الإنجاب فهو ابتلاء مستقل، ولا ينبغي أن يتحول إلى شعور بأن حياتك ناقصة كلها، قال تعالى: {ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير}، وليس عدم الولد علامة على غضب الله؛ فقد قسم سبحانه الأرزاق، ومن أعظم العبودية أن يأخذ الإنسان بالأسباب، ثم يرضى بما قدره الله له.

• تاسعا: عندما تأتيك أفكار التسخط، فلا تفزع من مجرد ورودها، ولكن لا تسترسل معها، استعذ بالله، وذكر نفسك بنعم الله عليك، وقل: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا}، والفرق كبير بين خاطر يقتحم قلبا متألما فيكرهه صاحبه، وبين اعتراض يتبناه الإنسان ويستقر عليه.

• وأما تمني الموت بسبب ما تجد، فقد نهى النبي ﷺ عن ذلك فقال: لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، وأرشد إلى أن يقول: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، فلا تجعل ألما في مرحلة من عمرك يحكم على بقية العمر الذي لا تعلم ما خبأ الله فيه لك.

• والذي ننصحك به الآن ألا تتخذ أي قرار في زواجك الثاني وأنت تحت سلطان الحنين والندم، أغلق باب الأولى حقيقة، وتب إلى الله من أي تقصير تعلم أنك وقعت فيه، ثم أعط الثانية حقها وفرصتها، ولا تخبرها بمقارناتك، ولا بأن الأولى أجمل وأفضل منها؛ فهذا يجرحها ولا يصلح قلبك.

لقد تعلمت من زواجك الأول أن المودة قد تأتي بعد زمن، فلا تكرر الخطأ الذي تخشاه بأن تستعجل الحكم على زوجتك الثانية، ثم تفقدها، ثم لا تعرف قيمتها إلا بعد الفراق.

نسأل الله أن يأجرك على ابتلاء عدم الولد وما أصابك من ألم الفراق، ويغفر لك ما كان منك من تقصير، ويطهر قلبك من الندم المرهق والوساوس، ويرزقك الرضا بقضائه، ويبارك لك في زوجتك الحالية، ويؤلف بين قلبيكما، ويفتح لك معها أبواب مودة لم تعرفها بعد، ويصرف عنك التسخط وتمني الموت، ويملأ قلبك يقينا وسكينة، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات