السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إني فتاة ملتزمة في كثير من الأمور - والحمد لله -، ومتعلمة ومتفقهة في أمور الدين من كثير من الجهات، وإذا قمت بعمل غير صحيح، أعرف ذلك فورا وأتوب إلى الله، وإني أبكي في كثير من الأحيان خوفا من عقاب الله.
وفي مرة زلت يدي، ورددت على رسالة شاب، وتحدثت معه لما يقارب نصف ساعة أو ربع ساعة، ولم يكن هناك كلام أصلا تقريبا، وانتهى الأمر بأنني قمت بحظره فورا، وبكيت خشية من الله، وتبت - والحمد لله -.
لكن الشيطان يوسوس لي أن الله لن يغفر لي، وأنني لم أعد من العفيفات المؤمنات اللواتي يستحين، مع أنني حقا شديدة الحياء من الرجال، ويوسوس لي كذلك أن الله لن يتقبل أعمالي؛ لأنني لم ألتزم بالصلاة في بداية عمر الصلاة.
كما يوسوس لي أنني أقرأ القرآن فقط لكي أسمع الناس أن صوتي جميل، لدرجة أنني أصبحت أبكي كثيرا خوفا من أن أكون منافقة، أو أقوم بالرياء، وأكون من أهل النار. وإذا سألت الله في الصلاة الفردوس، أفكر أنني أذنب ذنبا في كل مرة، وهو الذنب نفسه، ثم أتوب منه، فكيف سيدخلني الله الفردوس، ناهيك عن الجنة؟
فإني أسألكم أن تخبروني: ماذا أفعل مع هذه الوساوس؟
وشكرا لجهودكم الفاضلة، والسلام لقلوبكم.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
البنت الفاضلة/ فرح حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب.
نحن سعداء بتواصلك بالموقع، ونهنئك بفضل الله تعالى عليك، الذي حبب إليك الالتزام والتفقه في الدين، ونسأل الله أن يزيدك خيرا وصلاحا.
والتواصل مع الشباب -أيتها البنت الكريمة- باب فتنة عظيمة، ووسيلة لفساد كبير، ولهذا جاءت الشريعة الإسلامية بوضع الضوابط في علاقة المرأة بالرجل الأجنبي، وهذه الضوابط كلها تهدف إلى حماية المرأة، كما تهدف إلى صون الرجل وحفظ المجتمع؛ فالله -سبحانه وتعالى- يحب المتطهرين: الطهارة في السلوك، والطهارة في الأخلاق، والطهارة في الأبدان، طهارة الفرد وطهارة المجتمع، والله تعالى شرع الشرائع كلها للحفاظ على هذه الطهارة، والحفاظ على العفة.
ومن ذلك أمره للمرأة بالحجاب، ومن ذلك تحريمه كلام المرأة مع الرجل الأجنبي بكلام فيه لين وخضوع، كما قال الله: {فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض}، ومن ذلك تحريم لمس المرأة للرجل الأجنبي، وتحريم الخلوة به، فكل هذه وسائل لحفظ المرأة وحفظ الرجل معا، وليست هناك فتنة أعظم من فتنة الجنس بالجنس الآخر، كما قال عليه الصلاة والسلام: ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء.
ولهذا يجب الحذر، والوقوف عند حدود الله سبحانه وتعالى، وعدم التساهل في هذا؛ فإن الشيطان يدعو الإنسان إلى المعاصي خطوة خطوة، وخاصة في هذا الباب، وقد قال الله سبحانه في سورة النور: {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر}، فهو يبدأ خطوة خطوة، إلى أن يصل به إلى الفحشاء - والعياذ بالله -.
وقد أحسنت - ابنتنا الكريمة - حين قطعت التواصل مع هذا الشاب وقمت بحظره، وهذا توفيق من الله تعالى وفقك إليه، فاشكري الله تعالى واحمديه، ومن علامات الشكر الاستمرار على هذه الطاعة التي أنت عليها الآن.
وأما الوساوس هذه التي يحاول الشيطان أن يوقعك بها في دائرة الحزن والضيق والهم والكرب، ويحاول من خلالها أن يثقل عليك الطاعات والأعمال، ويزهدك فيها، ويقللها في نظرك، فهذه كلها وساوس، لا تلتفتي إليها أبدا؛ فإنها لا تضرك. استعيذي بالله -سبحانه وتعالى- من الشيطان الرجيم كلما داهمتك هذه الأفكار، ثم أعرضي عنها تمام الإعراض، وهذا الإعراض هو الدواء القالع لها، وأشغلي نفسك بغيرها، قال -عليه الصلاة والسلام- لمن أصيب بشيء من الوسوسة: فليستعذ بالله ولينته.
وليس صحيحا أنك لم تعودي من العفيفات المؤمنات بسبب وقوعك في هذه المخالفة؛ فالإنسان بعد التوبة يرجع إلى حال أفضل منه قبل التوبة، والله تعالى يحب التوابين، وهو يعلم -سبحانه وتعالى- أننا سنذنب، ولكنه قدر علينا ذلك لتظهر منا عبادات أخرى يحبها، ويرفعنا الله بها، قال عليه الصلاة والسلام: لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم.
والله تعالى وعد أن يبدل سيئات التائب حسنات، وهذا لشدة حبه للتائب، وقد جاء في الحديث: لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة عليها طعامه وشرابه... إلى آخر الحديث، وفيه أن هذه الراحلة ضلت منه وضاعت، ثم جلس في الفلاة وفي الصحراء ينتظر الموت، فبينما هو كذلك، إذا بهذه الراحلة والدابة على رأسه، فقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: الله تعالى أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من فرح هذا الرجل بعودة ناقته.
وهذا الفرح ليس لأنه -سبحانه وتعالى- بحاجة إلى طاعاتنا وعباداتنا، ولكن - كما يقول العلماء - فرح الكريم؛ يحب ويفرح بتوبة العبد؛ لأنه يريد أن يكرمه ويعطيه.
لا تلتفتي إلى الماضي، ولا تحاكمي نفسك وفقه، أعرضي عنه تماما، وأقبلي اليوم على ما أنت مطالبة به الآن، وقد قال الرسول ﷺ: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وأحسني ظنك بالله أنك من أهل الجنة، والجنة لا ندخلها بأعمالنا وحدها، وإنما ندخلها برحمة الله تعالى، والأعمال إنما هي أسباب، كما نطق بذلك رسول الله ﷺ.
فأحسني ظنك بالله، وأكثري من دعائه، واسأليه الجنة، بل واسأليه الفردوس؛ فإنها أعلى الجنة، ونسأل الله -بأسمائه وصفاته- أن يأخذ بيدك إلى كل خير، ويدفع عنك كل شر ومكروه.
وبالله التوفيق والسداد.