أريد حماية نفسي من أذى الأقارب دون الوقوع في قطيعة الرحم

0 0

السؤال

السلام عليكم.

أريد مقاطعة أهلي وأهل والدتي إلى الأبد؛ لأن نفسي تتعب كثيرا من رؤيتهم، أو سماع أسمائهم، ولا أود أن تكون لنا بهم أي صلة نهائيا.

لقد دأبوا طوال عمرهم على إيذائنا، وإلى الآن ما زالوا يؤذوننا؛ فالأذى طبع راسخ فيهم لن يفارقهم، وأنا أشعر بالراحة والأمان النفسي طالما أننا متقاطعون، وكل في حال سبيله؛ فهم أناس سيئون وأشرار، وأنا مرتاحة في الابتعاد عنهم.

لن أؤذيهم، ولكني سأقاطعهم، ونبتعد للأبد، فهذه هي الوسيلة الوحيدة التي ستريحني؛ فحالتي النفسية تتدهور بشدة إذا رأيتهم، أو سمعت أسماءهم، ويغلبني البكاء من شدة الاختناق؛ فقد أصبت بعقدة منهم، ولم أعد أطيقهم أبدا، ولا أستطيع تحمل رؤيتهم، أو سماع أسمائهم.

عندما أقاطعهم نهائيا أرتاح نفسيا، وأحمي نفسي من أذاهم، فهل يعد ذلك حراما أم أمرا جائزا؟ لأن الله سبحانه وتعالى قال: (واهجرهم هجرا جميلا)، فضلا عن أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأنا عاجزة عن تحمل ما لا تطيقه طاقتي، ومجبرة على ما يرهقني، فهل هذه المقاطعة محرمة شرعا؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ هاجر حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، كما نشكر لك أيضا حرصك على معرفة الحلال والحرام، وهذا من توفيق الله تعالى لك، ونسأل الله أن يزيدك هدى وصلاحا وتوفيقا.

ونحن نتفهم -أيتها البنت الكريمة- المشاعر التي تجدينها تجاه قرابتك الذين يؤذونك ويؤذون أهلك وأسرتك، وهذا بلا شك يسبب نفرة وكراهية، ولكن المؤمن في هذه الحياة مختبر وممتحن، والله تعالى يبتلينا بما نحب ويبتلينا بما نكره، كما قال سبحانه وتعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون}، فليست كل الأمور على ما نحب، وقد قال ﷺ: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات.

فالمؤمن لا بد أن يوطن نفسه، ويدربها على تحمل الأذى من أجل الله تعالى، وفي سبيل أن يرضي الله تعالى، وأن يكره نفسه على ما يحبه الله، وأن يلزمها طاعة الله تعالى وإن كانت شاقة عليه؛ فهذا هو ميدان الامتحان والاختبار في هذه الحياة.

ومن هذا الاختبار: الاختبار في صلة الأرحام، فإن صلة الرحم فريضة من فرائض الله تعالى علينا، وقد دلت آيات القرآن الكريم الكثيرة على وجوب صلة الرحم، كقوله سبحانه وتعالى: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم}، وقد قال سبحانه أيضا: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام}.

ولم يجعل النبي ﷺ صلة الرحم مكافأة لهم على ما يفعلون، فقد قال: ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها.

وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيؤون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال النبي ﷺ: لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك.

فأخبره ﷺ أن الله تعالى يعينه على هذه المهمة الصعبة وهذا العمل الشاق، ويؤيده على ذلك؛ لا يزال معك من الله ظهير، أي: معين، وأخبره بأن هؤلاء القرابة هم الذين سيندمون على فعلهم، ويتألمون كما يتألم الذي يبتلع الرماد الحار.

فهذه هي حقيقة الاختبار -أيتها البنت الكريمة-؛ ابتلاك الله تعالى بهؤلاء الأقارب، فالواجب عليك أن تقومي بفرض الله، والله تعالى لم يشرع لنا ولم يبح لنا الهجر والقطيعة الدائمة، فقد قال ﷺ: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فكيف إذا كانوا من الأقارب والأرحام؟!

ولكن في الوقت نفسه، الشريعة الإسلامية قائمة على مبدأ لا ضرر ولا ضرار، فالواجب عليك أن تصلي أرحامك هؤلاء بالشيء الذي لا يعود عليك بالضرر، فإذا كان اللقاء بهم يضرك وتتأذين به؛ فيمكن أن تنتقلي إلى وسائل أخرى غير اللقاء، كالسلام عليهم بالهاتف، أو مراسلتهم بالرسائل، ونحو ذلك مما جرت العادة وجرى العرف عليه من التواصل بين ذوي الأرحام.

فأحسني، وتجنبي إساءتهم، واصبري على ذلك لوجه الله تعالى، وستكونين في موقف يرضي ربك، وتكسبين به آخرتك، وتأمنين به من عقاب الله تعالى.

أما إذا كان التواصل كله يعود عليك بضرر حقيقي، وليس مجرد أنك تتضايقين إذا سمعت أسماءهم، أو ذكرتهم، أو نحو ذلك من أنواع المكروه الذي لا يرقى إلى أن يكون ضررا حقيقيا، فإذا فرضنا أن التواصل بهم بكل وسائله أدى إلى ضرر حقيقي؛ فهنا تتجنبين هذا التواصل بقصد دفع هذا الضرر، بحيث إذا زال هذا الضرر ترجعين إلى التواصل مرة أخرى.

هذا هو الذي ينبغي أن تعلميه في حق ذوي الأرحام.

وأما الآية التي ذكرتها، وهي قول الله تعالى: {واهجرهم هجرا جميلا}، فهذه الآية يتحدث فيها ربنا سبحانه وتعالى مع نبيه ﷺ عن المشركين، فرغم كفرهم وعنادهم وسبهم للنبي ﷺ، فإن الله -سبحانه وتعالى- أمره بأن يعرض عن أذاهم، وألا يبالي بهذا الأذى، قال: {واصبر على ما يقولون}، فأمره بالصبر، والرسول ﷺ لم ينقطع عنهم، بل دعاهم، وأحسن إليهم.

وإنما أمره الله تعالى بالهجر الجميل، أي: الهجر الذي لا معاتبة فيه، وترك المخالطة التي تضره ﷺ، وليس معناه قطع الخير والمعروف عنهم، فإن النبي ﷺ لم يزل يدعوهم إلى الله، ويقيم عليهم حجة الله تعالى، ولم يقطع التواصل معهم ودلالتهم على الخير، ونحو ذلك من الأعمال التي قام بها ﷺ.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقك لكل خير، وأن يتولى عونك، وييسر لك أمرك كله.

مواد ذات صلة

الاستشارات