بين برّ أمي وإتقان دراستي.. كيف أحقق التوازن؟

0 2

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا طالبة في كلية طب الفم والأسنان، دخلت الكلية تلبية لطلب أمي وأمنيتها، ولكني قصرت في السنة الأولى بسبب إصابتي بمرض الجدري، وظروف مرضية أخرى، والأيام التي كنت فيها بعافية، كنت ألبي طلبات أمي في المنزل، وبسبب تشتت المجهود بين قضاء المصالح والتعب الناتج عن الأدوية؛ كان يتعسر علي سماع صوت المنبه أصلا لأقوم بالاستذكار قبل الجامعة بست ساعات.

مع ذلك، استدركت ما قصرت فيه -والحمد لله- في إجازة الصيف، ولطبيعة الحال لم ترتفع درجاتي؛ فهذه مذاكرة جاءت بعد انتهاء موسم حصد الدرجات، ولكني أذاكر لأنها مهنة، وليست مجرد طلب للدرجات، وبالرغم من تقصيري الذي كان خارج إرادتي، عاتبتني أمي، وحزنت، وطلبت مني الاجتهاد في السنوات القادمة، وتقوى الله في مصاريف الجامعة التي يبذلونها لأجلي.

وعليه: طلبت منها -ككل سنة دراسية سابقة- توفير بيئة مناسبة؛ لأن مذاكرة الجامعة مختلفة عما سبق؛ ففي السابق كنت أستمع للشرح طوال السنة، وأعود إلى البيت لألبي طلباتها، ولا يتبقى لدي طاقة لبذل المزيد، وعند الامتحانات أقوم بمذاكرة ما أستطيع استدراكه، وبفضل الله قدرتي الذهنية جيدة، لكنها أيضا لا تكفي للحصول على الدرجات النهائية من خلال المذاكرة في ليالي الامتحان فقط.

ها هي ذا تحاسبني وحدي وقت النتيجة، وتسأل عن درجات صديقاتي، وتغفل عن أن أمهاتهن يوفرن لهن بيئة مناسبة، وكأن تقصيري كان بإرادة مني! بل وقالت إنني أتحجج بحجج فارغة لأني فاشلة.

ها قد بدأنا العام الثاني، ويتكرر السيناريو ذاته: طلبات كثيرة تعوق جداول مذاكرتي، والمشكلة أنني أنظر إلى تقصيري على أنه قتل لأحد المرضى؛ فهذه ليست مهنة يسهل إصلاح ما يفسد فيها! فهل سيحاسبني الله على تقصيري في هذه الأمانة التي هي المنهج؟ فوظيفتي عبادته والمذاكرة، والسنوات تراكمية، وما يصعب إتقان صغاره الآن يصعب إتقان كباره بعد ذلك في السنوات السريرية؛ فنحن ندرس أشياء لازمة لفهم السنوات السريرية التي يتم فيها التعامل مع المرضى، ولهذا أريد إتقانها.

فماذا عساي أفعل -أعانكم الله- دون إغضابها؟ وما التصرف الأفضل؟ فإني لا أخشى إلا على من سيكون بين يدي يأتمنني على حياته، وهذا التفريط أريد إيقافه.

لا أريد التسبب في حزن لها سواء بالدرجات غير الكافية لإرضائها، أو بعدم تلبية طلباتها غير الضرورية؛ فكأني إن أرضيتها طوال العام تعسر علي أن أفرحها كباقي الأمهات، وإن أرضيتها نهاية العام فسيكون نتيجة لعدم تلبية بعض طلباتها.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ندى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يلهمنا وإياك السداد والرشد في القول والعمل.

ما تمرين به من تصادم في المهام، ومشاعر العجز عن التوفيق بين متطلبات الدراسة وخدمة والدتك، ليست بتلك المشكلة الكبيرة التي تعجزين عن حلها، إلا أن نتائج التوقف عن محاولة حلها قد تكون كبيرة، وذات خطورة على مستقبلك.

وحتى نساعدك على تقديم بعض الحلول، نقدم لك النصائح التالية:
أولا: لغة البيان والحوار؛ بأن تدخلي في حوار توضحين فيه لوالدتك ما تعانين منه من تزاحم التزاماتك، وتأثير ذلك على مستواك الدراسي؛ فقد تكون والدتك غير مدركة لما تمرين به من ضيق الوقت، أو من أهمية الدراسة ونحو ذلك، ولذلك فإن الدخول في حوار هادئ تشرحين فيه لوالدتك ما تحتاجينه، قد يكون حلا سريعا ومختصرا وبسيطا لهذه المشكلة.

ثانيا: تنظيم الوقت بعناية؛ فالوقت غير المنظم يشعر الإنسان أنه عاجز عن إتمام المهام، بينما الوقت المنظم يعطيك مساحات واسعة لإنجاز الكثير، كذلك فإن ترتيب الأولويات يساعدك بقوة على معرفة ما ينبغي إتمامه الآن، وما يمكن تأخيره، فلا يشكل ذلك عليك ضغطا أو شعورا بالنقص، "والقليل الدائم خير من الكثير المنقطع"، لذلك فإن ترتيب جدولك الدراسي، وتحديد أولوياتك، سيساعدك بقوة على إيجاد مساحات دائمه للمذاكرة ولو كانت قليلة.

ثالثا: التوقف عن المشتتات؛ بأن تبتعدي عن كل المشتتات في هذه المرحلة، والتي تأخذ من وقتك الكثير، مثل: وسائل التواصل الاجتماعي، ومشاهدة القنوات، ونحو ذلك؛ فكل هذه الأمور تأخذ من وقتك، وحددي فترات مخصصة لخدمة والدتك، وتقديم ما تريد، وكوني قريبة منها لتوفي لها كل ما تحتاجه، وفي نفس الوقت اعتبري أن هذه مرحلة مؤقتة؛ فالدراسة بعد بضع سنوات ستنتهي، وتكون العاقبة هي تحقيق ما تتمنين أنت ووالدتك.

وكثرة المخاوف من التراجع الدراسي قد يكون لها دور في تحقيق عامل الرهبة الذي يشعرك بالعجز عن التقدم الدراسي؛ لذلك ابذلي ما تستطيعين من جهد وتنظيم وإعداد، واتركي النتائج لله تعالى.

رابعا: البيئة الدراسية المناسبة؛ فالبحث عن بيئة دراسية مناسبة للمذاكرة قد يكون عاملا مساعدا، لكنه ليس العامل الأساسي للتفوق، فيمكنك خلق هذه البيئة بنفسك، من خلال البحث عن المكان الهادئ في البيت، أو تخصيص الوقت المناسب عندما يكون المكان مناسبا، مثل بعد الفجر أو أول الصباح، أو في الأماكن المناسبة البعيدة عن الضوضاء.

حاولي أن تتأقلمي مع تعدد الظروف؛ حتى لا تجعلي نفسك تتوقف عن المذاكرة إذا لم تجدي هذه البيئة، فإن توفرت البيئة المناسبة كان ذلك فضلا، وإن لم تتوفر فاجتهدي في البحث عنها، ولو بشكل أقل مما تتمنين، وإن انعدمت تماما فلا تجعلي ذلك سببا للتوقف عن الدراسة.

خامسا: حدوث التقصير لا يعني الاستمرار عليه؛ فإذا حدث تقصير منك في فترة من حياتك، فلا يعني هذا أن هذا التقصير سيستمر طوال حياتك، خصوصا في مجال العلم والمعرفة، فالمعلومة التي لم يتم اكتسابها اليوم يمكن اكتسابها غدا، والتدرب عليها وتطبيقها.

لذلك: فإن هاجس الخوف من أنك ستفشلين، أو لن تستطيعي تدارك ما فات، إنما يدل على حرصك واهتمامك، ولا ينبغي أن يتحول هذا الخوف إلى حاجز يوقفك عن إصلاح هذا الخلل، بل المطلوب هو الاستمرار في بناء ذاتك، وتصحيح أي مسار خاطئ، وتجاوز لحظات الضعف في دراستك؛ فالإصلاح ممكن، وتغيير كل هذه المخاوف ممكن -بإذن الله-.

أخيرا: لا تحصري الحل بين تلبية خدمة أمك وبين الدراسة، لأن الحلول قد تكون خارج هذين الخيارين، وممكنة وقابلة للتطبيق. وهذا الحصر يضيق عليك الفرص الممكنة، ويحصرك في حلين لا ثالث لهما.

لذلك: ننصحك أن تنظمي وقتك أولا، ثم تشرحي لوالدتك طبيعة دراستك والبيئة التي تحتاجينها لتحقيق التفوق، فلعل والدتك تساعدك في توفير وقت أكثر للمذاكرة، إذا كانت الخدمة ليست مرهقة، أو كانت هناك أمور تستطيع والدتك الاستغناء عن بعضها.

وأكثري من الدعاء والتضرع لله أن يوفقك، وبادري إلى أداء الفرائض، والإكثار من النوافل والذكر؛ لتشعري بالسعادة والرضا، مما يساعدك على تحقيق الطمأنينة التي توفر لك بيئة نفسية تخرجك من القلق والتوتر المستمر.

وفقك الله ويسر أمرك.

مواد ذات صلة

الاستشارات