أظهر السعادة ولست سعيدة وأتمنى الموت بشدة، فما سبب ذلك؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عمري 19 سنة، ولدت مسلمة، وهذه نعمة عظيمة أحمد الله عليها، وقد رزقني الله أبا وأما، وهما أيضا نعمة من الرحمن، أسأل الله أن يسكنهما الفردوس الأعلى من الجنة، فلم يحرماني شيئا، وصاحباني واحتوياني، ولدي من خير الله الكثير، فما تمنيت شيئا من ربي إلا أعطاني إياه، وفي أحيان قليلة كان يمنع عني أشياء، فكنت أقول: لحكمة هو يعلمها.

حياتي سليمة وهادئة، وأي شخص يتمنى أن يعيشها، فلدي خمس أخوات، وكل واحدة أجمل من الأخرى، وأنا الثالثة، ونحن ثلاثة أولاد وثلاث بنات، والحمد لله، أحاول أن أكون على الصراط المستقيم، فأحافظ على صلاتي في وقتها، وأصلي النوافل والضحى وقيام الليل، وأصوم النوافل، وذلك من فضل الله علي، كما هداني إلى حفظ القرآن الكريم، وقد حفظت منه 15 جزءا، فالحمد لله الذي هداني لهذا، قال تعالى: {الحمد لله الذي هدانا لهٰذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله}.

وبالرغم من كل ذلك، فإنني أكره الدنيا، وكثيرا ما كنت أتمنى الموت، وأصلي قيام الليل وأتمنى ذلك بشدة، وأستغرب لماذا لا يستجيب الله، حتى رأيت في موقعكم أن ذلك حرام، وأن النبي ﷺ نهى عنه، فتوقفت، وظللت أدعو بهذا الحديث: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، ولكنني، والله، أريد الموت بشدة، ولا أعلم السبب، فأنا فقط أريد أن ألقى ربي وأن يغفر لي ذنوبي التي لا يعلمها أحد غيره، وأريد الجنة والراحة من ألم النفس وضيق الصدر.

أظهر السعادة أمام الآخرين، لكنني لست سعيدة، ولا أعلم السبب، كما لا أعلم سبب تمني الموت وحبي له بهذا القدر، فأنا حقا أريد أن أموت، فماذا أفعل، وماذا أقول؟

أفيدوني، جزاكم الله خيرا، وجعلكم من أصحاب الفردوس الأعلى، آمين يا رب العالمين.

أعتذر جدا عن الإطالة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أسماء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نذكرك بأن تستعيذي بالله من الشيطان الرجيم، وأن تقرئي أذكار الصباح والمساء، وخاصة دعاء الاستغاثة: يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ونذكرك بالصبر، فنحن في دار ابتلاء.

فحب الموت في غير طاعة الله -كالجهاد في سبيل الله- يدل في الغالب على الجهل بما هو مطلوب من المسلم في هذه الحياة، لذلك نذكرك بأننا خلقنا في هذه الدنيا كعابري سبيل، وأمرنا أن نتزود منها بالطاعات، ونستغل كل ساعة في هذه الحياة لكسب الحسنات، حتى نفوز بالجنة بعد الموت، فقد أرسل الله الرسل ليذكروا البشر بخالقهم، وينيروا لهم الطريق إلى الجنة.

فالحياة الدنيا قائمة على الصبر والرضا بقضاء الله وقدره، وقد نهى الشرع عن تمني الموت بسبب البلاء أو الضيق، لقوله ﷺ: لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي متفق عليه، فالمؤمن مأمور بالصبر والثبات انتظارا للفرج.

وهذا يدل على أن الأصل الشرعي هو تحريم تمني الموت بسبب الهم أو الكرب، كما يجب التنبيه إلى أن حب الموت قد يكون -عند غير المؤمنين- أحد الأسباب الرئيسة للانتحار، وكما تعلمين فإن الانتحار محرم تحريما قاطعا، وهو من كبائر الذنوب، ولا يجوز التفكير فيه ولا التهاون بشأنه؛ لأن النفس أمانة عند الله تعالى، ولا يملك الإنسان إزهاقها أو الاعتداء عليها.

اعلمي -أختي الكريمة- أن الحياة الدنيا كجلسة امتحان قصيرة، بالنسبة إلى الحياة السرمدية في الآخرة، فالدنيا -مهما طال عمر الإنسان فيها- قصيرة جدا بالنسبة إلى حياة الخلود في الآخرة، في ملكوت الله، قال سبحانه وتعالى: {وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون}.

فإذا قسنا زمن الدنيا إلى زمن الآخرة، تبين لنا أن ساعتين من ساعات اليوم الواحد من أيام الآخرة تعادلان أكثر من ثمانين سنة من سنوات الدنيا -إذا افترضنا أن اليوم في الآخرة يتكون من أربع وعشرين ساعة كما هو في الدنيا-، وعليه، فإن من عاش في الدنيا ثمانين سنة، فإن عمره -بمقياس الآخرة- لا يزيد على ساعتين يقضيهما في هذه الحياة الفانية.

فالنجاح مشروط بالصبر على إتمام الوقت والعمل، ولا يتصور أن يخرج عاقل من قاعة الامتحان قبل انتهاء الوقت، إلا إذا وعد بالفوز وعدا لا شك فيه، كما وعد الله من يقدم روحه لله جهادا في سبيله بالجنة، وذلك خاص بالرجال؛ لأن جهاد الطلب لم تكلف به النساء، وجهاد المرأة الذي وعدها الله بدخول الجنة بسببه هو طاعتها لزوجها ورضا زوجها عنها، وأنت -أختي الكريمة- ما زلت لم تتزوجي حتى تدخلي ميدان جهاد النساء.

لذلك، فالأصل الشرعي هو عدم جواز تمني الموت، إلا أن الشريعة استثنت حالة واحدة، وهي تمني الموت طلبا للشهادة في سبيل الله، لما في ذلك من رفعة المنزلة وعظيم الأجر، قال تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون}، وقال النبي ﷺ: والذي نفس محمد بيده، لوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل متفق عليه.

وبما أن الله وعد الرجال بالجنة من باب الجهاد في سبيله، فقد وعد النساء بما يعادل ذلك، وجعل لهن بابا عظيما للفوز بالجنة، وهو طاعة الزوج والصبر عليه وحسن التبعل له، قال ﷺ: إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحصنت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة شئت. فهذا يدل على أن جهاد المرأة يكون في بيتها، وأن طاعتها لزوجها وصبرها عليه طريقها إلى الجنة، وهو الأجر الذي يعادل أجر الشهيد في سبيل الله.

أختي الكريمة، لعل ما تشعرين به سببه الفراغ؛ لأنك لم تشعري بالمسؤولية الشرعية تجاه أحد، ونعتقد أنك إذا تزوجت ستشعرين بسعادة الحياة عندما تكونين سببا في إسعاد زوجك وأطفالك، فاصبري حتى تدخلي مرحلة الزواج التي جعلها الله لك بابا للفوز بالجنة، فهل يعقل أن تطلبي الموت قبل أن تدخلي ميدان جهاد المرأة -الزواج- لتؤدي فيه العمل الذي أمرك الله به، ووعدك بالجنة إن نجحت فيه؟!

نسأل الله أن يبعد عنك ذلك الوسواس، وأن يوفقك للزواج بابن الحلال، الذي يعينك على طاعة الله فيما أوجبه عليك من طاعة الزوج وتربية الأبناء، وعندها ستشعرين بأن الحياة نعمة من نعم الله على عباده، وأنها مزرعة الآخرة.

وبالله التوفيق والسداد.

مواد ذات صلة

الاستشارات