أعاني الشعور باليأس ولا أدري ما هو الذنب الذي يحجب دعائي!

0 0

السؤال

السلام عليكم.

أعيش شعورا مؤذيا وضيقا؛ حيث أشعر أن الدنيا ضدي، وأنه لا يوجد من يسمعني، دعوت واستغفرت الله، وصلاتي لم أثبت فيها بعد أبدا، رغم أنني أدعو الله بالإعانة على ذكره، فأصلي يومين، وبعدها أتركها لشهر، وأتعايش مع اكتئابي، وأشعر أن الدنيا ضدي، وأن الله لن يكتب لي السعادة.

أتمنى لو تفرج حياتي، وقد حلمت بعمل ينقذني أحقق من خلاله بعض الأمنيات، لكنني أعيش اليتم وعائلتي موجودة؛ فقد قاطعتهم، ولم أنج، فهم لا يقفون إلى جانبي سواء ظلمت أو ظلمت.

أتمنى أن ألقى إجابة منقذة لحياتي؛ أشعر بأنني لوحدي وأحتاج منقذا لي؛ فالله لا يستجيب دعائي مهما دعوت، ولا أعرف ما هو ذنبي العظيم الذي يحجب بيني وبين دعائي.

جزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ كنزة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، ويفرج كربك، ويصلح ما بينك وبين أهلك، ويأخذ بيدك إلى الصلاة والاستقامة، ويرزقك من فضله من يؤنس وحدتك ويعينك على الخير.

فنحن نتفهم ما ألم بك، فقد اجتمع عليك شعور بالوحدة، وقطيعة مع الأسرة، وتعثر في العمل الذي كنت ترين فيه باب النجاة، ثم ضعف شديد في الصلاة، ومع تكرر الدعاء دون أن تري ما تريدين بدأ يتسلل إليك أن الله لا يريد لك السعادة ولا يستجيب لك! وهنا ينبغي أن نبدأ من أهم شيء وهو: علاقتك بالله؛ فهذا محور العلاج، وسيكون في النقاط التالية:

أولا: من الأخطاء التي يقع فيها البعض أنهم يبحثون عن أي ذنب حتى يفسروا به أي ابتلاء دون النظر إلى غير ذلك، نعم، الذنوب لها آثارها، وكلنا مأمورون بالتوبة، ولكن لا يجوز أن نجزم بأن تأخر وظيفة، أو استمرار مشكلة، أو عدم تحقق دعاء معين يعني أن الله يعاقب صاحبه، أو أن الله قلاه، فالله يقول: ﴿فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن ۝ وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ۝ كلا﴾. وتأملي قوله: ﴿كلا﴾؛ فليس ضيق الدنيا دليلا على هوان العبد عند الله.

ثانيا: ما تعيشينه من وحدة، وضيق، وتعثر؛ من الابتلاء الذي يحتاج إلى صبر واحتساب، وما تصبرين عليه لله لا يضيع عنده، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن... إلا كفر الله بها من خطاياه، ولا يعني قط أن الله كتب عليك الشقاء لأجل هذا البلاء؛ فأنت لا تعرفين ماذا بقي من عمرك، ولا ماذا قدر الله فيه، فلا تجعلي ألما تعيشينه اليوم حكما على مستقبل لم يأت بعد.

ثالثا: كذلك من أخطر ما في رسالتك: الصلاة، وهذا أمر جوهري في حياتك، فلا تنتظري أن تتحسن نفسيتك حتى تنتظمي فيها؛ فالصلاة ليست مكافأة تؤدينها عندما تكون حياتك مستقرة، وإنما هي الحبل الذي تحتاجين إليه وأنت في قلب الضيق، وترك الصلاة شهرا، ثم العودة يومين أمر خطير جدا؛ فالصلاة أعظم أركان الإسلام العملية، فلا تتساهلي فيها مهما كان حزنك، ابدئي من الصلاة القادمة فقط، ولا تقولي: كيف سأحافظ طوال عمري؟ توضئي وصلي الفرض الذي دخل وقته، وعندما يأتي الذي بعده افعلي الشيء نفسه حتى لو صليت بلا خشوع كامل، حتى لو تألمت، ولو بكيت، ولو كان صدرك ضيقا؛ لكن لا تتركيها؛ فإن هذا كله من أساليب الشيطان، والله يقول: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾.

رابعا: قولك الله لا يستجيب دعائي مهما دعوت أمر خاطئ لا تستسلمي له، فقد قال سبحانه: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ لكن الاستجابة ليست معناها أن يعطيك الله ما طلبت بالصورة التي طلبت، وفي الوقت الذي حددته؛ بل لله حكمة في كل شيء، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الاستعجال فيقول العبد: دعوت فلم يستجب لي فلا تتركي الدعاء لأنك متعبة من الانتظار، وحتى إن عجزت عن الدعاء الطويل فقولي: يا رب أنا ضعيفة فأعني، يا رب ردني إليك، يا رب افتح لي بابا من حيث لا أحتسب وهكذا..، فلا يشترط أن تكوني قوية حتى تدعي؛ أنت تدعين لأنك ضعيفة.

خامسا: قولك أحتاج منقذا لي يحتاج إلى تصحيح رقيق، ولكنه مهم: فلا تجعلي نجاتك معلقة بشخص، أو وظيفة بعينها، البشر أسباب، والعمل سبب، أما الذي بيده إخراجك من حال إلى حال فهو الله وحده ﴿أليس الله بكاف عبده﴾، فاطلبي العمل، واسعي إليه بقوة، لكن لا تقولي في داخلك: إذا لم تأت هذه الوظيفة فلن أنجو.

سادسا: أما أهلك فنحن لا نعرف تفاصيل ما وقع حتى نحكم من الظالم ومن المظلوم، لكن القطيعة الكاملة ليست علاجا لمجرد وجود خلافات، فإن كان التواصل معهم لا يعرضك لأذى معتبر، فابدئي بإعادة قدر من الصلة: سلام، وسؤال، ورسالة، وصلة بمن تستطيعين منهم، ولا تنتظري أن يعترف الجميع بأخطائهم حتى تصلي رحمك، قال تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾.

سابعا: لا تطلبي من نفسك إصلاح حياتك كلها في أسبوع، ضعي أمامك الآن أربعة أمور فقط:
الصلوات الخمس، والسعي اليومي في عمل ولو بخطوة واحدة، وإعادة صلة آمنة بشخص صالح من أهلك أو غيرهم، والخروج من العزلة، ولو بمشي قصير، أو قضاء حاجة، ومعها شيء يسير من القرآن كل يوم، ولو صفحة، ولا تقولي عن نفسك: أنا وحدي والدنيا ضدي؛ فقد تكونين اليوم قليلة السند، لكنك لست بلا رب، ولست محكومة بالبقاء على هذه الحال؛ فكم من إنسان مرت عليه سنوات ظن فيها أن حياته قد أغلقت، ثم فتح الله له من باب لم يكن في حسابه، وقد قال يعقوب -عليه السلام- في شدة حزنه: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾، ثم قال بعدها: ﴿ولا تيأسوا من روح الله﴾ فاشكي لله، وابكي بين يديه إن احتجت، لكن لا تتركي بابه لأنك لم تري الإجابة بعد.

نسأل الله أن يغفر لك تقصيرك، ويردك إلى الصلاة ردا جميلا، ويفتح لك باب عمل ورزق حلال، ويصلح ما بينك وبين أهلك، ويرزقك صحبة صالحة وسندا طيبا، ويذهب عنك الوحدة واليأس، ويريك من تبدل أيامك ما يعيد إلى قلبك حسن الظن به، ويجعل لك من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات