السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا موظف أعمل أكثر من 12 ساعة في اليوم، ولدي يوم عطلة واحد، والحمد لله لدي طفلان، وزوجتي تتعب جدا في تربيتهما لدرجة الإرهاق.
وأيضا -بفضل الله- لدي عمل خاص آخر، ولكنني لا أستطيع مباشرته بصفة دائمة؛ لمتابعة المنزل وأموره، وعند محاولتي أن أتابع أعمالي الأخرى أقصر في وقت المنزل، وعندما أخبر زوجتي بأنني سوف أباشر أعمالي في يوم محدد، أجدها تصرخ في وجهي، وترفع صوتها على صوتي، فأتمالك نفسي، وأشعر أنني في موضع الجاني أو المتهم.
لجأت إلى والدة زوجتي، لكنها تقف في صف ابنتها، وتخبرني بضرورة أخذ إجازة من عملي، وعدم مباشرة أعمالي، والخروج برفقة زوجتي، متناسية الصوت العالي والصراخ علي، بحجة أن ابنتها مضغوطة.
وقد حدث مثل هذا الموقف أربع مرات، ولكنني في المرة الأخيرة حدثتهم بأنني سوف أترك لهم ابنتهم، وأرسل إليهم ورقة الطلاق؛ لأن هذا الفعل غير مقبول بالنسبة لي.
مع العلم أن الترك والانفصال سهل عندهم، وأنا مقتنع تماما بأنهم ليسوا على قدر المسؤولية في الحفاظ على أولادي تربويا، ولكنهم سلوكيا وعلميا على قدر المسؤولية.
رسالتي هي أني غير قادر على الاستمرار أو التركيز في عملي تحت كل هذا الضغط، فبماذا تنصحونني في هذه الحالة؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ مصطفى حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يبارك لك في عملك وولديك، ويعين زوجتك على تربيتهما، ويؤلف بين قلبيكما، ويرزقكما من الحكمة ما يحفظ بيتكما من أن تهدمه ضغوط يمكن علاجها.
أخي الكريم، الذي يظهر من رسالتك أن أصل المشكلة ليس رغبة أحدكما في إيذاء الآخر؛ فأنت تعمل أكثر من اثنتي عشرة ساعة يوميا، ولديك يوم عطلة واحد، وتحاول زيادة دخلك بعمل آخر، وزوجتك تقضي وقتا طويلا مع طفلين، حتى بلغت من الإرهاق مبلغا يجعلها تنفعل حين تسمع أنك ستخصص جزءا من الوقت القليل الباقي لعمل آخر.
فكل منكما متعب، لكن تعب كل طرف جعله يرى تقصير الآخر أكثر مما يرى ما يحمله، وهنا ينبغي ألا يتحول الخلاف الرابع إلى طلاق، بل إلى إعادة ترتيب حقيقية للحياة بينكما، ولتحقيق ذلك ننصحك بما يلي:
• أولا: ما تقوم به من السعي على زوجتك وأولادك باب عظيم من العبادة، وقد قال النبي ﷺ: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، فلا تحتقر ساعات العمل الطويلة، ولا تظن أن مسؤوليتك المالية أمر هين، وكذلك ما تقوم به زوجتك من رعاية الطفلين طوال اليوم عمل شاق كذلك، وخاصة إذا كانت تتحمل أكثره وحدها.
• ثانيا: رفع زوجتك صوتها عليك والصراخ ليس أسلوبا صحيحا، وضغطها وتعبها يفسران شيئا من انفعالها، لكنهما لا يجعلان الإساءة جائزة، والأصل في التعامل بين الزوجين قول الله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف}، والمعروف مطلوب من الزوجين.
لكن لا تجعل حفظ مكانتك معناه أن كل مرة يرتفع فيها صوتها تصبح كرامتك مهددة، ولا بد من موقف كبير لاستعادتها، وتستطيع أن تكون حازما هادئا، فتقول: نتحدث في كل شيء، لكن بعد أن نهدأ، وتحدد موعدا للنقاش؛ لأن ترك الموعد مفتوحا يورث الشحناء، ثم استمع إليها ولا تعلق، بل اكتب ما تقوله في ورقة منفصلة، ثم بعد أن تنتهي أجبها بهدوء، هذا الأسلوب هو الأنجع، وبعد فترة هي ستتعود على ذلك.
• ثالثا: أنت أيضا تحتاج للنظر إلى المسألة من موقعها، فإذا كنت تعمل أكثر من اثنتي عشرة ساعة ستة أيام في الأسبوع، ثم تريد في اليوم أو الوقت المتبقي مباشرة عملك الخاص، فقد تكون زوجتك لا تعترض على نجاحك أو رزقك بقدر ما تقول بطريقة خاطئة: لم يعد لدي طاقة لأحمل الطفلين وحدي فاسمع المعنى، ولا تقف فقط عند ارتفاع الصوت؛ فهي لها حق، والأصل أن نفهم الأولويات ونراعي الموازنات، وإنفاق جزء من وقتك في مساعدتها والخروج معا، سيقيك أوقاتا مضاعفة من الهم والغم والصراخ.
• رابعا: لا تجعل والدتها حكما دائما بينكما؛ فمن الطبيعي أن تتأثر الأم بتعب ابنتها، كما أنك ستشعر بعدم الإنصاف إذا تجاهلت ما تتحمله أنت، وقد قال تعالى عند اشتداد الشقاق: {فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} فإذا احتجتما إلى تدخل، فليكن شخصا حكيما من كل أسرة، لا أن يشكو أحدكما الآخر إلى أهله بعد كل مشكلة.
• خامسا: قولك إنك سترسل ورقة الطلاق حدث جلل ويحتاج إلى توقف، فلا تجعل الطلاق أداة لضبط الخلاف أو لإشعار أهلها بأنك قادر على الحسم، فالطلاق شرع عند تعذر استمرار الحياة، وليس وسيلة لإيقاف الصراخ أو حل المشاكل الفرعية، خاصة مع وجود طفلين، ومع وصفك لزوجتك بأنها قادرة على تربيتهما سلوكيا وعلميا، فهناك في البيت خير يستحق الإصلاح قبل التفكير في هدمه.
• سادسا: تحتاجان إلى اتفاق عملي، لا إلى نقاش جديد حول من المظلوم، اجلسا في وقت هدوء، واكتبا الأسبوع كما هو: ساعات عملك، وحاجة العمل الخاص، وأوقات وجودك مع الأطفال، ووقت راحة زوجتك، ووقت خاص بكما، وقد تضطر إلى تخفيف العمل الإضافي مؤقتا، وقد تحتاج هي إلى قبول بعض غيابك إذا كان العمل ضروريا، والعدل ليس أن يحصل أحدكما على كل ما يريد، وإنما أن يتحمل كل منكما جزءا من المشقة حتى تستقيم الأسرة.
• سابعا: يوم الإجازة لا ينبغي أن يكون كله للعمل الآخر، ولا كله للخروج والترفيه، بل يمكن تقسيمه: جزء تأخذ فيه أنت الطفلين حتى ترتاح زوجتك، وجزء لعملك الخاص عند الحاجة، وجزء تجتمع فيه الأسرة، وقد تكون ساعتان ثابتتان تمنحهما لزوجتك دون أطفال أنفع من خلاف أسبوعي كامل.
• ثامنا: إذا كان العمل الخاص ليس ضروريا الآن لنفقة البيت، فانظر هل يمكن تقليله في هذه المرحلة حتى يكبر الطفلان قليلا؛ فليست كل فرصة ربح يجب اقتناصها في وقتها، وفي المقابل، إذا كانت الأسرة محتاجة إلى دخلك، فعلى زوجتك أن تعرف حقيقة الوضع المالي حتى تدرك لماذا تعمل هذه الساعات، لا أن ترى فقط غيابك عن البيت.
ولا يخفاك أن ما تعيشانه من ضغط العمل وتربية طفلين، هو من الابتلاء الذي يحتاج إلى صبر واحتساب، ولكما فيما تتحملانه لأجل الأسرة أجر بإذن الله، على أنكما -والحمد لله- أفضل حالا من كثير من الأسر التي ابتليت في نفسها وبدنها وأولادها، فلنحمد الله على تلك النعمة.
• تاسعا: لا يعني تكرر هذه المشكلات أن زواجكما فشل أو أن الطلاق هو النهاية الطبيعية، ونصيحتنا لك الآن: اسحب تهديد الطلاق من النقاش، ولا تتخذ قرارا وأنت مستنزف، واجلس مع زوجتك وحدكما، وابدأ باعتراف صادق: أنا أعرف أنك متعبة مع الأولاد، وأنا أيضا وصلت إلى ضغط يؤثر في عملي، ولا أريد أن نخسر بيتنا بسبب أننا كلانا مرهق ثم اتفقا على جدول واقعي، وعلى قاعدة أن الخلاف لا يكون بالصراخ ولا بالتهديد بالفراق.
أنت لا تحتاج فقط إلى أن تشعر زوجتك بحجم تعبك؛ تحتاج هي أيضا إلى أن تشعر أنك رأيت تعبها، وإذا تحقق ذلك من الطرفين، فكثير مما يبدو اليوم أزمة زوجية قد يتبين أنه أزمة إرهاق وتنظيم.
نسأل الله أن يبارك لك في رزقك ووقتك، ويعين زوجتك على تربية ولديكما، ويرزقها الرفق وحسن الخطاب، ويرزقك الصبر والحكمة، ويصرف عنكما نزغات الشيطان، ويجعل بيتكما قائما على المودة والرحمة والتعاون، ويحفظ ولديكما بين أب وأم متحابين متعاونين، والله الموفق.