السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا أعيش مع والدتي وحدنا، ووالدي متوفى، وجميع أخواتي متزوجات، أمي مصابة بوسواس قهري حاد يصعب علينا حياتنا، ولا نعيش حياة طبيعية مع الكثير من القواعد والخلافات، وجميعها بسبب الوسواس.
كنت أريد أن أعرف إذا كان حراما أن أكذب عليها أحيانا حين تسألني إن كنت رأيت حشرة أم لا، أو في الأسئلة المشابهة لهذا، كما أنني إذا كذبت عليها تجبرني أن أقسم، وإن قلت لها الحقيقة تثور وتتعب من الوسواس وتتشاجر معي، وقد ترمي الكثير من الطعام الجديد والسليم بسبب رؤية حشرة فيه.
وسؤالي الآخر: هل يجب علي خدمتها في الأمور المتعلقة بالوسواس؟ حيث تطلب مني مثلا غسيل دفتر سقط على الأرض، أو طلبات غير منطقية، ولا أريد تنفيذها، ولن تفيدها في شيء.
أرجو الإجابة، وشكرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ضحى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، كما نشكر لك حرصك على بر أمك والإحسان إليها، وهذا من حسن دينك، نسأل الله تعالى أن يزيدك صلاحا وهدى، وأن يعينك على الخير، ونسأله -سبحانه وتعالى- أن يمن على أمك بعاجل العافية والشفاء من هذه الوساوس.
وبداية: نحن ننصحك -ابنتنا الكريمة- بأن تترفقي بأمك، وتتلطفي في نصحها لمعالجة هذه الوساوس ومداواتها، فالوساوس مرض من الأمراض التي قد يقدرها الله تعالى على الإنسان، ولكنه سبحانه (ما أنزل داء إلا أنزل له دواء)، كما قال ذلك رسول الله ﷺ.
فحاولي أن تتلطفي بأمك، وأن تستعيني بكل من لهم كلمة مقبولة لديها من الأقارب، في أن تسعى لمداواة نفسها والتخلص من هذه الوساوس، وهذا الخلاص سهل يسير -بإذن الله-.
ولدينا في الموقع العديد من الاستشارات والإجابات عن الأسئلة في كيفية مدافعة الوساوس، فيمكنكم الاستفادة منها، ونحن على استعداد لأن نعينك ونساعدك إذا عرض أمر يحتاج إلى إعانة منا وتوضيح.
أما ما ذكرته -ابنتنا الكريمة- من حكم الكذب على أمك حين تسألك إن كنت رأيت حشرة أم لا؛ ففي خصوص هذا السؤال يمكن أن تستعملي المعاريض من الكلام، والمقصود بالمعاريض: الكلام الذي يفهم على وجهين أو على طريقتين، فيفهم السامع منه معنى، ويكون المتكلم مريدا لمعنى آخر.
فهذه المعاريض فيها غنية واكتفاء عن الكذب الصريح، فمثلا: إذا أردت أن تقولي بأنك لم تري حشرة -وإن كنت قد رأيتها-، فلو قلت لها مثلا: ما رأيت حشرة، فهذا يعده العرب من معاريض الكلام، لأنه إذا قلت: ما رأيت، أي: ما ضربت رئتها، (ما ضربت رئة حشرة)، وأنت صادقة في ذلك، ولو حلفت على ذلك فإنك صادقة: والله ما رأيت حشرة.
وهكذا في باقي الأحوال، إذا أمكنك أن تستعملي كلاما يكون صادقا بقصدك أنت، وتفهم أمك منه معنى آخر، فهذا أولى من الكذب الصريح.
وإذا اضطررت إلى الكذب عليها مراعاة لمصلحتها ودفعا للضرر عنها -كما قلت إنها تتعب وتثور بسبب الوسواس-، إذا كذبت عليها لدفع هذا الضرر عنها، فنرجو من الله تعالى ألا يكون عليك فيه إثم، فإن الفقهاء يقولون: إن الكذب ينظر فيه إلى المقاصد، فإن كان المقصد المطلوب لا يتحقق ولا يمكن الوصول إليه إلا بالكذب، وكان هذا المقصود مما يجب على الإنسان أو يحرم عليه -أو نحو ذلك-؛ فإنه يرخص له في الكذب لتحقيق المصلحة الشرعية.
وقد رخص النبي ﷺ في الكذب للإصلاح بين الناس، ورخص في الكذب للمرأة تكذب على زوجها، والرجل يكذب على زوجته، ورخص في الكذب في الحرب، فرخص ﷺ في الكذب في هذه المواطن لتحقيق المصلحة.
أما السؤال الآخر، وهو: هل يجب عليك خدمتها في الأمور المتعلقة بالوسواس؟
فنصيحتنا لك -أيتها البنت الكريمة- ألا تغضبي أمك؛ فإن سخط الأم ليس بالأمر الهين، ويمكنك مداراتها بأن تفعلي بعض الأشياء إذا طلبت منك، وتعتذري عن أشياء بأعذار أخرى، وليس بصورة الرفض لامتثال أمرها والعصيان لأمرها.
فحاولي ما استطعت أن تكوني بارة بها، وأن تتجنبي سخطها، وإذا لم تريدي طاعتها في شيء، فلا تظهري عصيانها ومخالفة أمرها، حاولي أن توجدي عذرا آخر تعتذرين به، ولكن القاعدة العامة هي أن كل فعل مباح إذا أمر به الوالد ولا يتضرر به الولد، فإن كثيرا من العلماء يرى أنه يجب طاعة الوالد في هذا.
فاستعيني بالله -سبحانه وتعالى- على فعل ما فيه الصلاح وبر الأم، وحاولي الاعتذار بالأعذار المقبولة لديها إذا أردت ألا تفعلي.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقك لكل خير.