السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا فتاة أبلغ من العمر 22 سنة، وأعاني من وسواس شديد لا أستطيع تحمله، فلدي دفتر يتضمن وصايا مكتوبة باسمي، وهو مغلق ولا أعطيه لأحد، وأشعر منذ أن كان عمري 15 سنة بأن وفاتي قد اقتربت، وما زلت على هذه الحال حتى الآن، كما أخاف من السيارات، وأشعر دائما بأنني سأموت في حادث.
أشعر بأن التوفيق قليل في حياتي منذ الصغر، وكانوا ينادونني في المدرسة بلقب التي لا حظ لها، وكذلك في العائلة، وهذا لا يشغلني كثيرا؛ لأنني أعلم أن الدنيا دار اختبار وابتلاء، لكنني ألاحظ فعلا أن أموري لا تتيسر حتى في الأمور الصغيرة، رغم أنني أسعى دائما، وأجتهد كثيرا في الأذكار والذكر والدعاء.
كما أعاني من حالة نفسية شديدة، فعندما يذكر أحد شخصا أكرهه، أنتف شعري وأبكي وأصرخ، وعندما أتذكر موقفا صدر من هذا الشخص، وهو من أفراد عائلتي، أبدأ بالبكاء والصراخ، حتى لو كان ذلك في الساعة الواحدة ليلا.
لقد أصبحت لا أطيق نفسي، ودائما ما أتمنى أن أتوب، لكنني أشعر بأنني لا أجد جدوى من ذلك، ثم يحدث لي أمر سيئ، فأبكي وأصرخ وأبتعد عن كل شيء، حتى عن بيت أهلي، وأقضي معظم وقتي في غرفتي، وغالبا ما يكون وقتي بين البكاء والنواح.
أشعر بالأسى على نفسي وعلى حال أهلي، كما أن أمي تدعو علي بالموت باستمرار، وأنا، والله، لا أعرف إلى من ألجأ!
فهل أذهب إلى طبيب نفسي، أم أستعين بالله أكثر، أم ماذا أفعل؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ سونيا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد:
أرحب بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى لك العافية والشفاء السريع والتام.
قرأت رسالتك بعناية، وأعتقد أنك تعانين من حالة من الوسواس القهري، والوسواس القهري مرض نفسي معروف، وغالبا ما ينشأ أو يبدأ في سن الخامسة عشرة إلى السابعة عشرة تقريبا، ويتسم بالتموج بين الحدة والانخفاض، مع تكراره على مدى سنوات.
واضح أن معاناتك امتدت لنحو سبع سنوات، وتدور حول مشاعر الخوف والقلق والتوقعات غير الطيبة بشأن المستقبل، والخوف من الموت، والاسترسال في مشاعر القلق إلى درجة كتابة وصية، والاستعداد لحدث مستقبلي قد يؤثر على سلامتك أو حياتك، مثل الخوف من السيارات، والشعور بأنك ستموتين في حادث، أو ما يشبه ذلك.
وكل هذه المشاعر قد تكون أحيانا ناتجة عن القلق بشأن المستقبل، وما يصاحبه من أفكار سلبية تنعكس على مشاعرك في صورة قلق وخوف، ومحاولة للتغلب على هذه الأفكار بسلوكيات أخرى، مثل نتف الشعر، وهذه حالة قد تكون مرتبطة أيضا بالوسواس، وهي محاولة للتغلب على مشاعر القلق والتوتر الداخلي اللذين تعانين منهما.
واضح أن وسائل الدعم المتاحة حولك غير كافية، خصوصا في ظل العلاقة المتوترة بينك وبين والدتك، ودعائها عليك أو عدم تفهمها لمعاناتك.
وهناك أيضا بعض المخاوف المرتبطة بأشخاص تعتقدين أنهم تسببوا في إيذائك، وسيطرة هذه المخاوف على أفكارك بصورة أدت إلى حالة من الاكتئاب والبكاء والصراخ واضطراب النوم.
كل هذه الأمور تشير إلى وجود شعور شديد بالقلق، مصحوب بمشاعر اكتئابية، وقد انعكس ذلك أيضا على تصرفاتك، سواء من خلال نتف الشعر، أو الميل إلى الانعزال، وعدم التواصل بصورة جيدة مع الأهل أو الأصدقاء، كما أثر بالتأكيد على أدائك الوظيفي والاجتماعي، وكما أشرت في رسالتك، فإنك تقضين معظم وقتك في غرفتك، ويغلب على وقتك البكاء والنواح والشعور بالأسى.
وطبعا، فإن ما أشير إليه في إجابتي عن سؤالك هو أن حالة القلق الشديد التي تعانين منها قد تطورت، نتيجة طول فترة المعاناة، إلى مشاعر من القلق والاكتئاب، وانعكس ذلك على تصرفاتك ومشاعرك.
يبدأ العلاج بالاستعانة بالله أولا، وهذا هو حالنا في كل وقت، فإذا أقدمنا على أي فعل، فلا بد أن نستعين بالله سبحانه وتعالى، فهو الأساس، لكن لا بد أيضا من الأخذ بالأسباب، والمقصود هنا هو العلاج النفسي؛ إذ يساعدنا على معرفة حجم المشكلة وطبيعتها، والتعامل معها بصورة مناسبة، وهذا من أفضل الوسائل للتخلص من الأعراض.
يلعب العلاج النفسي دورا كبيرا في علاج حالتك، ومن ذلك ما يعرف بالعلاج السلوكي المعرفي؛ حيث يتعرف الإنسان إلى طبيعة المشكلة التي يتعرض لها من خلال التثقيف بشأنها، ومعرفة أسبابها وأعراضها وكيفية التعامل معها، ومن الأمور المهمة أيضا معرفة أن الوسواس القهري يتضمن أفكارا ملحة تسيطر علينا، وقد لا تستند إلى أساس من الصحة أو الواقع.
ولذلك، فإن جزءا من التعامل مع هذه الأفكار هو التعرف عليها، ومناقشتها والتدرب على عدم الاسترسال معها؛ إذ إن تدريب المخ على التعامل معها بطريقة مختلفة قد يساعد، مع التكرار، على تخفيف المشاعر المصاحبة لها، سواء كانت القلق أو الاكتئاب.
وكذلك ينبغي التعامل مع مشكلة نتف الشعر، فهذا السلوك قد يكون مزعجا جدا، خاصة للنساء، عندما يتكرر أو يزداد، ولذلك لا بد من محاولة استبداله بسلوكيات أخرى؛ فهناك بعض التقنيات التي تساعد على ذلك، مثل الضغط على كرة مطاطية باليد كلما ظهرت الرغبة في نتف الشعر، أو وضع شريط حول الرسغ وشده وإرخاؤه من حين إلى آخر، مما قد يساعد على تحويل الانتباه، وطبعا فإن الذكر والدعاء والوضوء والصلاة قد تساعد على تهدئة الغضب والحد من الاسترسال في الأفكار السلبية، وتوجيه الانتباه بصورة إيجابية.
ومن المهم أيضا التواصل مع والدتك ومحاولة الحوار معها؛ لكي تدرك حجم المعاناة التي تمرين بها، وتفهم أن الوسواس القهري نوع من الاضطرابات النفسية، وربما تستطيع مساعدتك في التوجه إلى أخصائي أو طبيب نفسي لمعالجة المشكلة.
وطبعا، فإن تمارين الاسترخاء مهمة، ومنها التنفس العميق المتكرر، مع الشهيق والزفير ببطء، وإرخاء عضلات الوجه والرقبة والكتفين والبطن؛ فإرخاء العضلات قد يساعد على تحقيق الهدوء النفسي والتخفيف من التوتر والقلق.
وهناك أيضا العلاج الدوائي، وهذا من اختصاص الطبيب، ولا بد أن يكون تحت إشرافه؛ فمضادات الاكتئاب قد تكون فعالة في تخفيف الأعراض، سواء أكانت أعراض الوسواس أم القلق النفسي أم الاكتئاب. ومن المهم جدا زيارة الطبيب النفسي أو الأخصائي النفسي، أو الاستعانة بوسائل الدعم المتاحة في بلدك.
وإذا كانت هناك أفكار ضاغطة تهدد سلامتك، مثل أفكار إيذاء النفس أو ما شابهها، فإن الأمر يستدعي طلب المساعدة العاجلة، وقد يتطلب التوجه إلى قسم الطوارئ أو التواصل مع شخص قريب منك يستطيع مساعدتك في الحالات الحادة، وهذا أمر مهم جدا.
ندعو الله لك بالشفاء التام والسريع، وبالله التوفيق.