السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا فتاة أبلغ من العمر 16 عاما، وأدرس في المرحلة الثانوية، ولدي طموحات وأحلام وأهداف أريد تحقيقها، لكنني أرى أن هذه الأهداف مستحيلة، خاصة في البيئة التي أعيش فيها، ومع المشكلات الأسرية التي أمر بها.
أخاف أن أعيش في المستقبل أشياء لا أريد أن تحدث لي، كما أن البيئة غير المستقرة التي أعيش فيها الآن تجعلني أشعر أن مستقبلي سيكون سيئا جدا! فكيف أتغلب على خوفي من المستقبل، وأحافظ على طموحي، وأسعى لتحقيق أهدافي رغم البيئة غير المستقرة والمشكلات الأسرية التي أعيشها؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الابنة الفاضلة/ شيماء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابنتنا الكريمة- ونشكر لك تواصلك مع موقع إسلام ويب، ونسأل الله أن يصلح بالك، وأن يفتح لك أبواب الخير، ويرزقك من حيث لا تحتسبين.
أما ما ذكرته من شعور بالضيق، ورؤية المستقبل بصورة مظلمة، والخوف من البيئة غير المستقرة، فهو أمر يمر به كثير من الشباب، خاصة في مرحلة الثانوية، وخصوصا عند أصحاب الطموحات الكبيرة، وهذه المشاعر على شدتها لا تخرج الإنسان عن دائرة الابتلاء، التي جعلها الله سببا لرفع الدرجات وتحصيل الأجر.
لذلك عليك بحسن الظن بالله والتوكل عليه، ونوصيك بالمداومة على أذكار الصباح والمساء، ومنها دعاء الاستغاثة: يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين (رواه النسائي).
ونحذرك من اليأس والقنوط، لقوله تعالى: {ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} [يوسف: 87]، فهذه الآية تبين أن اليأس من الفرج ليس من صفات المؤمنين، وأن رحمة الله أعظم من الظروف التي يعيشها الإنسان مهما اشتدت.
فالمؤمن إذا أصابه هم أو غم، فإنه يحسن الظن بالله، ويستشعر أن ما حدث له قد يكون من باب الابتلاء، فيقابله بالصبر والاحتساب، لقوله تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين} [البقرة: 155]. فالابتلاء ليس علامة على سوء المستقبل، بل هو مرحلة تمهيدية يمر بها كل من أراد الله له خيرا وتمكينا، لقول النبي ﷺ: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فوجود مشكلات أسرية أو بيئة غير مستقرة لا يعني أبدا أن المستقبل سيكون مظلما، بل قد يكون هذا الابتلاء سببا في قوة شخصيتك ونضجك وتميزك.
ابنتي الكريمة، بما أنك ما زلت في المرحلة الثانوية -رغم حساسيتها- فإنها ليست معيارا لمستقبل الإنسان، بل هي مجرد بداية، فكم من أشخاص عاشوا ظروفا أسرية قاسية في بداية حياتهم، ثم أصبحوا من الناجحين والمتميزين في حياتهم العلمية والعملية، والشريعة تعلمنا أن العبرة بالخواتيم لا بالبدايات.
لذلك ننصحك بالاستبشار بالمستقبل من باب حسن الظن بالله، لأن مفاتيح الغيب بيد الله وحده، وليست بيد البيئة أو الظروف، قال تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} [الأنعام: 59] فالخوف من المستقبل ليس دليلا على أنه سيكون سيئا، بل قد يكون دليلا على وعي مبكر ورغبة في حياة مستقرة، فما دمت تحملين طموحات وأهدافا، فقد تكون بداية التغيير، ولعل شعورك يدل على طموحك للتغيير إلى الأفضل، قال تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11].
علما بأنه لا يجوز شرعا أن يحكم الإنسان على مستقبله بأنه سيكون بشعا، لأن هذا من القول على الله بغير علم، ومن سوء الظن بالله تعالى، بل الواجب أن يعتقد المؤمن أن الله قادر على أن يفتح له أبوابا لم تخطر له على بال.
ونوصيك بالصبر والاحتساب وحسن الظن بالله، فالصبر في ساعة العسر من مفاتيح اليسر، وذلك استبشارا بقوله تعالى: {فإن مع العسر يسرا} [الشرح: 5]، وكذلك استبشارا بقوله تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} [البقرة: 216]، فهذه الأدلة تقرر قاعدة ربانية، وهي أن كل عسر في الدنيا مقرون بيسر حتمي إذا صبر عليه.
ننصحك بتنظيم وقتك، والتركيز على دراستك، والدعاء والالتجاء إلى الله، مع تجنب تضخيم الخوف من المستقبل قبل أن يأتي، وستجدين -بإذن الله- أن أبوابا كثيرة ستفتح لك من حيث لا تحتسبين.
والله أعلم.