السؤال
السلام عليكم.
إن الله تعالى اختص الإنسان بقدرات، وقابليات، وبيئات تمكنه من العمل والتطور والإبداع، ومن أجل توظيف هذه القدرات، والقابليات، والبيئات في حركة النمو والتقدم، شجع الإسلام المسلم على الالتزام بتعاليم محددة، فما هي؟ مع ذكر شواهد لذلك.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يلهمنا وإياك السداد والرشد في القول والعمل.
من الرائع أن تسأل هذا السؤال الواسع والكبير، لذلك يمكن أن أصيغ السؤال بشكل أوضح على النحو التالي: "إن الله تعالى خص الإنسان بقدرات وقابليات، وسخر له من الموارد والبيئات ما يمكنه من العمل والتطور والإبداع، ومن أجل توظيف هذه القدرات والقابليات والإمكانات في حركة النمو والتقدم، وشجع الإسلام المسلم على الالتزام بتعاليم ومبادئ محددة.."؛ فالسؤال بهذه الصيغة أكثر وضوحا وترتيبا، والإجابة عليه واسعة، ولكن يمكن إيجازها في التالي:
إن الله تعالى كرم الإنسان، ومنحه العقل والقدرة على التعلم والتفكير والعمل والاختيار، وسخر له ما في الكون من موارد وإمكانات، قال تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾، وقال سبحانه: ﴿وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه﴾، ومن أجل استثمار هذه الطاقات وتحويلها إلى نمو وتقدم، وجه الإسلام المسلم إلى مجموعة من التعاليم والمبادئ:
أولا: طلب العلم والمعرفة؛ لأن العلم أساس اكتشاف القدرات وتطويرها وحل المشكلات، وكانت أول كلمة نزلت من القرآن: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾، وقال تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾، فالإنسان بالعلم يفهم واقعه، ويطور مهاراته، ويكتشف أساليب جديدة في العمل والإنتاج، ومن تطبيق ذلك في ارض الواقع التعلم المستمر، والبحث العلمي، واكتساب التخصص والمهارات الحديثة.
ثانيا: العمل، والسعي الدائم، وعدم الاستسلام للعجز، قال تعالى: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم﴾، وقال سبحانه: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز)، فالإسلام يريد من الإنسان أن يحول العلم والقدرة إلى عمل منتج، وأن يبادر بدل انتظار النتائج من غير جهد، ويظهر ذلك في الاجتهاد في الدراسة، وتطوير المهنة، وإنشاء المشروعات، والبحث عن حلول للمشكلات.
ثالثا: عمارة الأرض، واستثمار مواردها بالخير والنفع، قال تعالى: ﴿هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها﴾، وقال: ﴿فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه﴾، فالإنسان مأمور بالانتفاع بما في الأرض، وتسخيره في البناء، والإنتاج، والإصلاح، مثل: الزراعة، والصناعة، والطب، والهندسة، والتقنية.
رابعا: الإتقان، والإحسان في العمل؛ قال تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾، فالتقدم لا يتحقق بكثرة الأعمال فقط، بل بجودتها، وأمانتها، ودقتها، ولهذا ينبغي للعامل أن يؤدي عمله بكفاءة، وللطالب أن يتقن تعلمه، وللمؤسسة أن تهتم بالجودة وتقليل الهدر.
خامسا: التعاون، واحترام التخصص، والخبرة، قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أنتم أعلم بأمر دنياكم)؛ فتكامل خبرات العلماء، والأطباء، والمهندسين، وغيرهم يحول القدرات الفردية إلى إنجاز جماعي مثمر ينهض بالأمة جمعاء.
وأخيرا:
يدعو الإسلام إلى الاعتدال، وعدم الإسراف، والتشدد، والتزمت في أي عمل، وتحمل المسؤولية، قال تعالى: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾؛ فالتنمية الحقيقية ليست استهلاكا عشوائيا يفسد الحياة، ويضر الإنسان والحيوان، بل استثمارا حكيما للوقت، والمال، والموارد "فلا ضرر ولا ضرار".
وهكذا -أخي العزيز-: يتضح أن الإسلام يبني الإنسان المنتج من خلال عناصر أساسية هي: " العلم، والعمل، وعمارة الأرض، والإتقان، والتعاون، وحسن استثمار الموارد" حتى تتحول قدراته وقابلياته إلى قوة تسهم في بناء الفرد والمجتمع، وتحقيق التقدم في إطار من الأخلاق والمسؤولية؛ فالعلم بلا دين وأخلاق يحول العلم إلى طغيان، وفساد، وقوة لا ترحم أحدا.
وفقك الله ويسر أمرك.