السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا طالبة في الصف الثالث الثانوي، وهي مرحلة مصيرية ومهمة عندنا في بلادنا، ومنذ صغري -والحمد لله- وأنا أحصل على أعلى الدرجات، ومعروفة بالتفوق بين المدرسين وزملائي الطلاب.
لكن منذ أن دخلت الصف الثالث الثانوي، وأنا كلما فتحت الكتاب أشعر بصداع ونعاس شديدين، على الرغم من كوني بخير قبل فتح الكتاب، ولكن عندما أغلقه أجدني أصبحت بخير!
هذا طبعا غير إضاعة الوقت بشكل غير طبيعي، على الرغم من حرصي الشديد على وقتي أثناء فترات الدراسة وغيرها -والحمد لله-، وعدم قدرتي على وضع جدول أو الالتزام به، والشعور بالتشتت، والضغط النفسي الكبير، والتوتر المستمر بسبب إضاعة الوقت.
أرغب في توضيح أمر قبل تفضلكم بالإجابة؛ لقد نشأت في بيئة تحمل حسدا وحقدا دفينا لي ولأسرتي، وقد جاء راق لنا في المنزل -وهو شخص نعرفه ونثق به-، فأخبرنا أنني أنا وأمي نعاني من الحسد الشديد على عكس باقي الأسرة، فهم بخير قليلا -والحمد لله-.
أرجو الحل بسرعة، فقد مرت ثلاثة أشهر، والسنة تضيع مني، وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ن حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يبارك لك في علمك ووقتك، ويحفظك من العين والحسد، ويشرح صدرك للمذاكرة، ويكتب لك التوفيق في هذه السنة المهمة.
فأنت أمام مشكلة تحتاج إلى هدوء؛ لأن الخوف من ضياع السنة قد يصبح هو نفسه سببا في ضياع مزيد من الوقت، وقد مضت ثلاثة أشهر، لكن بقي من العام ما يمكن أن يتغير فيه الكثير -بإذن الله-، ولا ينبغي أن تتحول الأشهر الماضية إلى حكم على بقية السنة، ولبيان ما ينبغي فعله نقول:
أولا: العين والحسد حق ثابت في الكتاب والسنة، قال تعالى: (ومن شر حاسد إذا حسد) وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: العين حق، وعليه فنحن لا ننكر عليك الرقية، بل ندعوك إلى المحافظة عليها، وعلى التحصين والأذكار، لكن لا نستطيع أن نجزم بأن ما يحدث لك عند فتح الكتاب سببه الحسد لمجرد قول الراقي، أو ظهور الصداع والنعاس عند المذاكرة، والراقي مهما كان صالحا وموثوقا فهو لا يعلم الغيب، ولا ينبغي أن تتحول عبارته: عندك حسد شديد إلى تفسير لكل ما يحدث لك بعد ذلك.
ثانيا: لا تراقبي نفسك كلما فتحت الكتاب: هل سيأتيني الصداع الآن؟ هل سأنعس؟ هل هذا من العين؟ لأن تكرر هذا الربط قد يجعل مجرد فتح الكتاب مرتبطا في ذهنك بالتوتر والصداع والنعاس، ثم تدخلين في دائرة: أخاف من المذاكرة، فأفتح الكتاب متوترة، فأشعر بالأعراض، فأغلقه، فتزول، فيزداد يقيني بأن هناك شيئا يمنعني، لذا فاقطعي هذه الدائرة، ولا تنتظري زوال الأعراض حتى تدرسي.
ثالثا: ارقي نفسك بنفسك، وهذا خير من تعلق قلبك بالراقي: اقرئي الفاتحة، وآية الكرسي، والإخلاص والمعوذتين، وانفثي في يديك وامسحي جسدك، وحافظي على أذكار الصباح والمساء والنوم، وقولي: بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك، ولا تجعلي الرقية برنامجا يستغرق ساعات من يومك على حساب دراستك؛ فالرقية سبب، والمذاكرة سبب، والتوفيق كله من الله.
رابعا: لا تضعي الآن جدولا مثاليا لعشرة أو اثنتي عشرة ساعة؛ فأنت تقولين إنك لا تستطيعين الالتزام بالجداول أصلا؛ لذا فابدئي بوحدات صغيرة: خمس وعشرون أو ثلاثون دقيقة لمادة واحدة، ثم استراحة قصيرة، ثم جولة أخرى، وإذا جاءك النعاس في أثناء الجولة فلا تغلقي الكتاب مباشرة؛ بل قومي، وتوضئي أو اغسلي وجهك، وادرسي جالسة إلى مكتب لا على السرير، واكتبي وحلي بصوت مسموع بدلا من القراءة الصامتة فقط.
خامسا: لا تجعلي هدفك تعويض ثلاثة أشهر هذه العبارة وحدها تصنع جبلا نفسيا أمامك، هدفك اليوم هو إنجاز واجب اليوم، وإذا ثبت يومك ثبت أسبوعك، ثم بدأت الفجوة تضيق، وتذكري قول النبي صلى الله عليه وسلم: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز.
سادسا: أنت صاحبة تاريخ دراسي متفوق، فلا تسمحي لثلاثة أشهر مضطربة أن تعيد تعريفك عند نفسك، لكن لا تعتمدي كذلك على تفوقك القديم وحده؛ فالثانوية العامة تحتاج إلى انتظام يومي، اختاري المواد المتأخرة، وحددي لكل يوم ثلاثة أهداف واضحة قابلة للإنجاز بدلا من عبارة عامة مثل: سأذاكر كثيرا.
سابعا: احذري من أن تتحول الرقية إلى بديل عن المذاكرة؛ فقد يقول الإنسان في نفسه: لن أستطيع الدراسة حتى يزول الحسد، وهذا خطأ، فحتى لو فرضنا وجود عين، فالعلاج الشرعي لا يعني تعطيل الأسباب الدنيوية؛ بل ترقين نفسك، وتدرسين، وتدعين، وتجتهدين.
ثامنا: إذا كنت تضيعين الوقت على الهاتف، أو الانتقال بين المقاطع والرسائل ولو دون قصد، فأبعديه تماما أثناء وقت الدراسة، ولا تبحثي في الإنترنت عن علامات العين في الدراسة، وأعراض تعطيل النجاح ونحو ذلك؛ فهذا قد يضاعف انشغالك بالمشكلة بدلا من حلها.
تاسعا: راجعي نومك أيضا؛ فالنعاس والصداع والتشتت قد تزيدها اضطرابات النوم والإجهاد والقلق، ولا ينبغي إهمال الأسباب الظاهرة، وإذا استمر الصداع بصورة ملحوظة، أو كان شديدا ومتكررا، فلا تكتفي بتفسيره بالحسد.
وأهم نصيحة لك: من اليوم أوقفي سؤال هل أنا معطلة بالحسد؟، واستبدليه بسؤال ما الذي أستطيع إنجازه في الساعة القادمة؟، وتحصني كأن العين حق، وادرسي كأن النجاح يحتاج إلى كل دقيقة من جهدك، وتوكلي على الله في الأمرين.
نسأل الله أن يحفظك من العين والحسد وكل سوء، ويبارك في وقتك وعقلك، ويصرف عنك الصداع والنعاس والتشتت، ويعيد إليك نشاطك وهمتك، ويشرح صدرك للعلم، ويعينك على استدراك ما فات، ويكتب لك في هذه السنة نجاحا وتوفيقا يقر به عينك وعين والديك، والله الموفق.