السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
منذ حوالي ثلاث سنوات تحدث لي الكثير من الأمور السيئة، وأعاني من عدم توفيق شديد في حياتي، من فشل دراسي بعد أن كنت -بفضل الله- دائمة التفوق، ومشاكل في البيت لأهلي، وفشل ومصائب ينفطر قلبي من البكاء كلما تذكرتها.
ومع أن هذه الفترة من أكثر الفترات التي أجاهد فيها للتقرب من الله، فإنني كأي إنسان أرتكب الذنوب، ثم أستغفر وأتوب، وأشعر بأن دعائي لا يستجاب، وأشعر بأن الله لا يقبلني وغاضب علي، وأدعو بكل الأدعية المذكورة عن الرسول ﷺ، وعن الصحابة رضي الله عنهم، وبكل ما ذكر في القرآن، ولكن تأتي المشكلة بعد المشكلة، أنا راضية بقضاء الله كله، وعندي يقين تام وإيمان بأن هذا خير لي، لكنني تعبت من الحزن.
فهل هذه الحالة سببها ذنوبي، أو ذنب فعلته ولا أتذكره؟ أم هو ابتلاء واختبار من الله عز وجل؟ أم هو شيء من عمل البشر، كالعين وغيرها؟ وكيف أعرف ذلك، وماذا علي أن أفعل؟
أرجو الرد على استفساري.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الابنة الفاضلة/ مريم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، ونسأل الله تعالى أن يقدر لك الخير حيث كان ويرضيك به، وأن يصرف عنك كل سوء ومكروه.
أولا: نهنئك -ابنتنا الكريمة- بفضل الله تعالى عليك، وما يسره لك من الأعمال الصالحة، كالتوبة، والاستغفار بعد الذنب، والإكثار من الدعاء، ومجاهدة النفس للعمل الصالح، فكل هذه نعم جزيلة وأفضال عظيمة تفضل الله تعالى بها عليك، فينبغي أن تدركي هذا وتتذكريه، وتشتغلي بشكر نعمة الله تعالى، ومن أعظم مظاهر شكر النعمة الاشتغال بالعمل الصالح والزيادة منه، كما قال -سبحانه وتعالى-: {اعملوا آل داوود شكرا} [سبأ: 13].
• ثانيا: ما ذكرته من المصائب والمكروهات التي تنزل بك لا يمكن أبدا الجزم بأن سببها الذنب، ولا بأنها عين أو حسد، فليس كل تعثر أو كثرة مصائب علامة على سخط الله تعالى أو عقوبة، كما أن تحسن الأحوال ليس دليلا على رضا الله تعالى، بل قد يكون ما يحدث ابتلاء، ورفعة للدرجات، وتكفيرا للسيئات، فقد قال الله تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين} [البقرة: 155] فالصابر الذي يقابل ما يقدره الله تعالى بالاحتساب والصبر يبشره الله تعالى بخير كثير في دنياه وآخرته، قال ﷺ: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه.
ثالثا: أما شعورك بأن الدعاء لا يقبل لأنه لم يستجب بالصورة التي تريدينها، فهذا غير صحيح أيضا، فالله تعالى لا يضيع عمل عامل كما أخبر بذلك في كتابه، والدعاء على وجه الخصوص قال فيه ﷺ: إن الله حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا فالله تعالى يستجيب الدعاء، ولكن مظاهر الاستجابة كثيرة، فقد يعجل الله تعالى للإنسان ما طلب، وقد يدفع عنه من الشر والمكروه بقدر ما دعا، وهو لا يشعر، وقد يؤخر له ثواب دعواته إلى يوم يلقاه في الدار الآخرة، وكل ذلك خير، فالله تعالى يقول: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: 216].
• رابعا: لا أنصحك أبدا بأن تفسري سلسلة المشكلات بأنها عين أو حسد لمجرد كثرتها، فالعين حق، ولكن لا يصح أن نجعلها تفسيرا لكل تعثر ومصيبة بلا دليل، وكذلك لا يصح أن تبحثي عن ذنب مجهول تعلقين به هذه المصائب والكوارث، والمطلوب من المؤمن أن يديم الاستغفار، لأنه خطاء، وخير الخطائين التوابون، والإنسان بطبيعته يغفل وينسى، ولذلك يطلب منه الاستغفار والتوبة في كل حين.
ومع ذلك ينبغي له أن يتحصن بالأذكار، وأن يستعمل الرقية الشرعية، لأنها تحصينات تنفع مما نزل بالإنسان ومما لم ينزل به، وهذا هو المنهج الذي ينبغي أن تسيري عليه، وتدركي تمام الإدراك أن الله أرحم بك من نفسك، وأنه لا يقدر لك إلا الخير، ولا يختار لك إلا ما فيه الصلاح، وهذا كله يساعدك على الرضا والقبول.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياك لكل خير.