السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حفيدتي عمرها 23 سنة، وتريد الارتباط بشخص مناسب لها، ولكن والدها متعنت في الأمر بسبب أنها كانت تتحدث معه وهي في المرحلة الإعدادية، وهي متمسكة به، وقد حاول أن يتقدم لها، لكن والدها يرفض مقابلته.
كما اشترط عليها والدها ألا تتحدث معه، وإلا فلن يصرف عليها، لا في الطعام، ولا الملابس، ولا العلاج؛ ولذلك اعتمدت على نفسها، وبدأت تعمل حتى تتمكن من الارتباط بالشخص الذي تريده، ثم سافرت خارج البلد للعمل دون أن تبلغ والدها، وأخذت جواز سفرها دون علمه.
فهل يحق لها أن تفعل ذلك؟ علما أن والدها كان قد أرسلها قبل أربع سنوات إلى البلد نفسه، وتركها هناك بمفردها تعمل وتدرس.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ عزة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أسأل الله تعالى أن يصلح حال هذه الأسرة، ويهدي الأب والحفيدة إلى ما فيه الخير، وأن يجمع بين حق البنت وبر أبيها دون ظلم أو قطيعة، ومن الجيد في سؤالك أنكم لا تنظرون إلى المسألة من زاوية الزواج فقط، بل تسألون أيضا عن حق الأب وحدود استقلال فتاة بالغة، وهذه نقطة مهمة جدا.
أولا: ينبغي التفريق بين حق الحفيدة في أن يكون لها رأي في زواجها وحياتها، وبين طريقة تعاملها مع أبيها، فهي الآن في الثالثة والعشرين، وليست طفلة، ومن حقها أن يكون لها اختيار معتبر فيمن تتزوج، ولا يجوز أن تجبر على الزواج بمن لا تريده، قال النبي ﷺ: لا تنكح الأيم حتى تستأمر، رواه البخاري ومسلم. أي إن المرأة التي سبق لها الزواج لا تزوج حتى يطلب أمرها، وكذلك جاء في السنة رد النكاح الذي تم بغير رضا المرأة، لكن هذا الحق لا يعني أن كل تصرف تتخذه بعيدا عن أبيها يكون صحيحا، فالاستقلال شيء، وقطع العلاقة أو التصرف بطريقة تصادمية شيء آخر.
أما سؤال: هل كان لها أن تسافر وتأخذ جواز سفرها دون علم أبيها؟
هذه المسألة لا يصح إعطاء حكم قاطع فيها دون معرفة بلدها، وحالتها القانونية، وهل هي مستقلة في الإقامة والنفقة، وهل السفر آمن، وهل عليها ولاية شرعية أو قانونية في بلدها.
لكن من الناحية التربوية والأسرية، لا أنصح أن تتحول المسألة إلى تحد بينهما: "أنت تمنعني، وأنا سأفعل من ورائك"، وفي المقابل لا يصح أن يتحول رفض الأب للخاطب إلى وسيلة لإذلال ابنته أو الضغط عليها بالتهديد بترك الطعام واللباس والعلاج، أو إجبارها على أن تختار بين الزواج الذي يريده الأب وبين التخلي عنها، قال الله تعالى: {ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف} [البقرة:232].
فإذا كان الأب يرفض الرجل لمجرد أنه كان يتحدث مع ابنته وهي صغيرة؛ فهذا وحده ليس معيارا كافيا للحكم على الرجل اليوم، نعم، ينبغي النظر في طبيعة العلاقة السابقة، وهل تابا من الخطأ إن كان فيها تجاوز، وهل الخاطب اليوم صاحب دين وخلق وقدرة ومسؤولية؟
أما إذا كان لدى الأب أسباب معتبرة تتعلق بدين الرجل أو خلقه أو أمانته أو قدرته على الزواج أو ضرر حقيقي متوقع، فهنا ينبغي الاستماع إلى هذه الأسباب وعدم اختزال الأمر في أنه "متعنت"، وأهم نقطة ألا تجعلوا الخلاف حول الخاطب معركة كسر إرادات.
الحفيدة أخطأت -من الناحية التربوية- إذ جعلت السفر والعمل سرا عن أبيها وسيلة للضغط عليه، كما أن الأب يخطئ إذا جعل النفقة والعلاج وسيلة لمعاقبتها على اختيارها، والمطلوب أن يتوقف الطرفان عن شد الحبل، والأفضل أن يدخل شخص حكيم يحترمه الأب وتحترمه الحفيدة، كالجد أو العم أو الخال أو شيخ موثوق أو أحد كبار العائلة، ويجلس مع الأب منفردا أولا، ثم معها، ثم -إن أمكن- مع الطرفين.
والسؤال ليس: من انتصر؟ بل: هل هذا الرجل صالح للزواج فعلا؟ وما سبب رفض الأب تحديدا؟ فإذا كان الرجل مناسبا في دينه وخلقه، فليفتح الباب للتعارف الرسمي والسؤال عنه، وليكن الحكم على الرجل الذي يريد الزواج بها اليوم، لا على علاقة قديمة كانت في مرحلة الإعدادية فقط.
وفي المقابل، عليها أن تثبت لأبيها أنها لا تتصرف بدافع التعلق القديم وحده، وإنما تنظر بعقل إلى الرجل: دينه، وخلقه، وعمله، وتحمله للمسؤولية، وطريقة تعامله مع النساء، وغضبه، وماله، وأسرته، ونظرته إلى الحياة الزوجية.
وأوصي الحفيدة بأمر مهم جدا: لا تجعلي استقلالك المالي وسيلة لإثبات أنك لا تحتاجين إلى أبيك، بل اجعليه وسيلة للنضج وتحمل المسؤولية مع بقاء البر والصلة، قال تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} [العنكبوت:8]، فحتى لو اختلفت معه في الزواج، فلا ترفعي صوتك عليه، ولا تسيئي إليه، ولا تقطعيه، ولا تجعلي الخاطب طرفا في معركة بينك وبين أبيك، فذاك من العقوق وعدم البر.
وإذا كان هناك تعنت حقيقي في منع زواجها من رجل كفء، فهذه مسألة لها أحكامها الشرعية التي تتعلق بالولاية والعضل، وتحتاج إلى عرض التفاصيل على مفت موثوق في بلدها؛ لأن الحكم يختلف بحسب كون الأب وليا شرعيا، وسبب الرفض، وصفات الخاطب، والقانون المعمول به، أما إذا كان الخاطب غير مناسب حقيقة، فلا ينبغي أن تجعل الحفيدة مجرد رغبتها القديمة حجة كافية.
والخلاصة أيتها البنت الكريمة، لك حق في اختيار زوجك حفظه لك الشارع الكريم، ولأبيك حق في أن يسمع ويناقش وتحفظ مكانته، ولكما واجب أن تبتعدا عن العناد والتصعيد.
والحل الصحيح تربويا الآن هو الرجوع إلى الحوار الرسمي، والاستعانة بوسيط حكيم، ثم تقييم الخاطب تقييما موضوعيا، فإذا ثبتت صلاحيته، وكان رفض الأب بلا سبب معتبر، تعرض المسألة على عالم موثوق ليبين الحكم والإجراء الشرعي المناسب، وإن ظهر أن للرجل عيوبا جوهرية، فليكن الرفض مبنيا على هذه العيوب، لا على مجرد الماضي.
أسأل الله تعالى أن يهدي الأب إلى ما فيه الخير لابنته، وأن يهدي الحفيدة إلى بر أبيها مع حفظ حقها، وأن يريهما الحق حقا ويرزقهما اتباعه، ويصرف عنهما العناد والقطيعة، ويكتب لها الزوج الصالح الذي يكون فيه خير دينها ودنياها.