السؤال
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الأفاضل في قسم الاستشارات بموقع إسلام ويب المحترمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
أنا رجل أعمل في ميدان التعليم، وأعيش منذ فترة تحت وطأة ضغوط نفسية وروحية ممتدة، وألتمس منكم التوجيه الشرعي والنفسي للتعامل مع واقعي الحالي، أجد نفسي محاصرا بأعراض متداخلة تسبب لي إنهاكا شديدا، وهي:
• اكتئاب وانعدام للمتعة والشغف، مع قلق دائم وتعب جسدي ونفسي تبدأ معه أيامي.
• شعور بتبدد الذات؛ حيث أشعر أحيانا كأنني "جسد بلا روح"، أو آلة تنوب عن حقيقتي.
• اجترار فكري ووساوس وجودية حول الغاية واليقين، متزامنة مع حساسية عالية تجاه صمت الناس، وتفسير عزلتهم أحيانا على أنها استبعاد أو حصار.
• تشتت بين معارك متعددة، قتال لتجنب الذنوب، وقتال للوصول إلى الطمأنينة الإيمانية، وقتال لاستعادة الإرادة والفاعلية في حياتي.
أسئلتي لكم:
• كيف يكيف الطب النفسي هذه الحالة المجمعة -بين الاكتئاب، والوسواس المعرفي، وتبدد الذات-؟ وهل ترون أن بدء العلاج الدوائي هو الخطوة الأساسية لإيقاف هذا الضجيج العصبي؟
• كيف يتعامل المسلم شرعيا ونفسيا مع الشعور بأداء العبادات والحياة "بآلية وبلا روح"، دون أن يقع في جلد الذات أو الشكوك؟
• ما الخطوة الأولى والعملية للترميم النفسي والعودة إلى استعادة السكينة والقدرة على العطاء؟
جزاكم الله خيرا، وبارك في علمكم، ونفع بكم.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ الحسن حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله لك العافية والشفاء والتوفيق والسداد.
أخي، قبل أن أجيب عن استشارتك هذه، لا بد أن أشير إلى استشارتك السابقة والتي رقمها: (2544713)، والتي ذكرت فيها أنك تتوهم أن الآخرين يراقبونك ويتابعون أفكارك، والتي قمت بالإجابة عليها.
هذه الاستشارة التي أشرت إليها مهمة جدا، لأن العرض الذي كنت تعاني منه هو عرض أساسي، وقد يكون اللبنة الأولى لما تعاني منه الآن، وهو ما وصفته بوجود ضغوط نفسية وروحية شديدة وممتدة، وأعراض الاكتئاب، وانعدام الشغف، والشعور بتبدد الذات، والفكر الوسواسي، والصراعات الوجودية، هذا كله ينضوي تحت الاكتئاب النفسي.
والذي جعل أعراضك هذه ممتدة ومتشابكة هو أنك رجل صاحب معرفة وصاحب فكر وأنت معلم، فالمهارات المعرفية هي التي وسعت من مشاعرك بهذه الصورة السلبية التي تحدثت عنها.
أخي، من المهم جدا أن الإنسان -مهما كانت أعراضه- يجب ألا يضع نفسه في دائرة العجز، لأن الاكتئاب دائما يقودك نحو هذه المشاعر، أن يضعك في دائرة العجز، حتى الأشياء البسيطة يرى الإنسان أنه غير قادر على أدائها.
ومن الناحية السلوكية: الإنسان عبارة عن أفكار ومشاعر وأفعال، والإنسان الذي يدخل في دائرة العجز تتعطل لديه هذه الثلاث، فيكون الفكر فكرا سلبيا، والشعور شعورا سلبيا، وينتابه الكدر ببرود وبدون سبب، وتكون الأفعال أيضا متعطلة بدرجة كبيرة.
طبعا في مثل هذه الحالات، مهمتنا كمعالجين نفسيين أن نذكر الإنسان بأن "دائرة الاستطاعة" موجودة، وهذا ما أود أن أذكرك به أخي الكريم، وإذا أخذنا الأفكار ونقلناها من دائرة العجز إلى دائرة الاستطاعة أو القدرة، يمكن أن تنقل تفكيرك إلى الناحية الإيجابية؛ لأن كل شيء سلبي من الناحية الفكرية أو الشعورية أو حتى الأفعال له ما يقابله مما هو إيجابي.
وهذا التغيير ليس بالصعب، بل يحتاج إلى حوار نفسي داخلي، ولا تبن أبدا عملية التغيير على ما مضى، بل على الحاضر، فالحاضر هو الأقوى، ويجب أن تستفيد من قوة "الآن"، لأن "الآن" يمكننا التحكم فيه ويمكن تفصيله كما نريد، فيا أخي الكريم، يجب أن تنقل نفسك من دائرة العجز إلى دائرة الاستطاعة، والله تعالى وهبنا القدرة والإمكانيات النفسية والفكرية والمعرفية الكبيرة جدا لنقوم بذلك.
أعتقد أن الأمر واضح جدا بالنسبة لك، فثنائية العجز والاستطاعة هي الأساس فيما وصفته من أعراض.
أما بالنسبة لأسئلتك:
• طبعا الطب النفسي يساهم من خلال ما ذكرته لك من علاج سلوكي معرفي بسيط، وهو علاج أساسي وجوهري، وكذلك الأدوية النفسية.
• ونمط الحياة -أخي الكريم-: مهما كانت مشاعرك، يجب أن تفعل ما يجب أن تفعله: الصلاة في وقتها، والذهاب إلى العمل، والقيام بالواجب الاجتماعي، وممارسة الرياضة، هذه الأمور في حد ذاتها حين يلتزم الإنسان بها -مهما فقد الشغف والدافعية لممارستها- ويجبر نفسه على فعل ذلك، ويدفعها نحو ذلك، فسوف يأتي التغيير، وتتبدل المشاعر والأفكار تلقائيا، فاسع لهذا يا أخي.
• الجانب العلاجي الآخر هو الجانب الدوائي، ولا شك في ذلك، لأن الأعراض التي ذكرتها لا بد أن تكون متعلقة بتغيرات في كيمياء الدماغ -على ما يعرف بالموصلات العصبية-، وأنت تحتاج إلى أدوية بسيطة جدا، هنالك الأدوية التي تعالج الاكتئاب، وتحسن المزاج، وتعالج الوسواس القهري في ذات الوقت، وهي كثيرة، فأقدم على الذهاب إلى الطبيب لتناول أحد هذه الأدوية.
الإجابة المباشرة عن سؤالك الثاني طبعا هي: أن يسعى الإنسان إلى نقل نفسه من دائرة العجز إلى دائرة الاستطاعة، وذلك من خلال: التذكر الدائم أن المهارات والقدرة موجودتان، وأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، والاستعانة بالأصدقاء والزملاء، وأداء الصلاة مع الجماعة، والمشاركة في حلقات القرآن، كل هذه تمثل دافعية إيجابية جدا.
بارك الله فيك، وجزاك الله خيرا، وبالله التوفيق والسداد.
-----------------------------------------
انتهت إجابة الدكتور/ محمد عبد العليم، استشاري الطب النفسي وطب الإدمان.
وتليها إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية
--------------------------------------------
مرحبا بك -أخي الحبيب- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك بالموقع، ونسأل الله تعالى لك عاجل العافية، وأن يذهب عنك كل غم، ويشرح صدرك.
وقد أفادك الأخ الفاضل الدكتور/ محمد عبد العليم بنصائح طبية نفسية قيمة، وتوجيهات ثمينة، نسأل الله تعالى أن يعينك للعمل بها، ونزيد -أيها الحبيب- أن نؤكد من الجانب الشرعي على بعض النقاط المهمة:
• أولا: لا تجعل معاناتك النفسية معركة دينية إضافية؛ فمن المهم أن تدرك أن الشعور بالضيق، أو فقدان المتعة، أو فقدان الإحساس بحلاوة العبادة، ليس في ذاته دليلا على خلل الإيمان أو تقصير في حق الله تعالى أو نحو ذلك من المشاعر، فلا تجمع على نفسك ألم المعاناة ثم تعود فتتهم نفسك اتهاما دينيا بسبب ما تشعر به.
وليس المطلوب من المؤمن أن يكون مطمئنا في كل لحظة، أو أن يشعر بحضور قلبه في كل عبادة، وأن يتخلص تماما من كل فكرة مزعجة حتى يستطيع أن يعيش حياة مستقرة؛ فهذا قد يكون بعيد المنال في حق كل إنسان، قال الله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} [الطلاق: 7]، وقال سبحانه: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286].
فالمطلوب -أيها الحبيب- أن تؤدي ما أوجب الله عليك بحسب استطاعتك، وأن تجتهد في تحسين حالك، ولكن لا تجعل كل اضطراب في مشاعرك قضية تحتاج إلى محاكمة شرعية.
• ثانيا: لابد من التفريق بين واجبك الشرعي وبين رغبتك في الوصول إلى حالة نفسية مثاليه؛ فأنت مطالب بعبادة الله تعالى، ومجاهدة نفسك في ترك المعاصي، ومطالب بأداء مسؤولياتك، لكنك لست مطالبا بأن تشعر دائما بحالة من الانشراح والرضا والطمأنينة والسكينة، أو أن تبلغ درجة من صفاء النفس لا تخالطها أفكار مزعجة؛ فلم تكلف هذا حتى تعود على نفسك بالتأنيب، وتعود على ذاتك بالجلد والمعاقبة لأنك لم تصل إلى تلك المرتبة.
فاحرص على أداء أعمالك المطلوبة منك أولا بأول، واستمر على ذلك، وستصل -بإذن الله تعالى- إلى ما ترجوه وتأمله من حالة الطمأنينة والرضا، وقد قال الرسول ﷺ: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل [متفق عليه].
فلا تجعل استعادة الطمأنينة شرطا لقيامك بالعبادة، ولا تجعل استعادة الشغف والرغبة شرطا للعمل، بل العكس؛ ينبغي أن تجتهد في أداء العمل، وستصل -بإذن الله تعالى- إلى هذه الطمأنينة واستعادة الشغف والرغبة، فابدأ بما تستطيع ولو كان قليلا، واستمر عليه، وإذا ضعفت يوما فلا تعتبر ذلك انهيارا لكل ما بنيته.
• ثالثا: لا تدخل في صراع لا ينتهي مع أفكارك ومحاكمتك لمشاعرك؛ وقد ذكرت -أيها الحبيب- أن هناك أفكارا وصفتها أنت بأنها وسواسية حول الغاية واليقين، ونحو ذلك، وهذا النوع من الأفكار لا يعالجه التفاعل معه والاسترسال معه، والبحث عن إجابات لأسئلته؛ بل هذا يعززه ويقويه، والمطلوب منك أن تعرض عنه تمام الإعراب، وتشغل نفسك عندما تنتابك شيء من هذه الأفكار.
داوم على الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم كلما دهمتك هذه الأفكار، وانشغل عنها فورا بأي شيء آخر مما ينفع في دين أو دنیا، وستجد نفسك -بإذن الله- تتخلص منها قليلا قليلا؛ فإن قلب الإنسان لا يتحمل الاشتغال بشيئين في نفس اللحظة، قال الله تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} [الأحزاب: 4].
وليس معنى ذلك إهمال الأسئلة الجادة أو منع النفس من التفكر، وإنما لابد من التفريق بين التفكر الذي يثمر فهما وعملا، وبين اجترار لأسئلة لا تؤدي إلى نتيجة نافعة.
• رابعا: لا تجعل تصرفات الآخرين مقياسا لمكانتك بينهم؛ فحساسيتك تجاه صمت الناس وعزلتهم، وتفسير ذلك بأنه استبعاد أو حصار، أنصحك ألا تتعجل في الحكم بذلك على مقاصد الآخرين، وألا تبني يقينا على مجرد احتمالات، وقد نهانا الله -سبحانه وتعالى- عن اتباع كثير من الظنون، فقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} [الحجرات: 12].
فليس كل صمت رفضا، ولا كل انشغال إعراضا، ولا كل فترات التواصل يعد موقفا سلبيا منك؛ حافظ على علاقتك المعتدلة، وأد حقوق الناس التي تقدر على أداءها، ولا تنسحب من الحياة الاجتماعية بسبب تفسيرات لتصرفاتهم لم تتأكد منها، وقيمتك -أيها الحبيب- لا تتوقف على مقدار اهتمام الناس بك.
• خامسا: نقول الخطوة الأولى لاستعادة التوازن الآن -أيها الحبيب-: أن تبدأ بالتخفف من هذه المعارك التي تخوضها مع نفسك، وأن تجعل لك أولويات محددة تحاول بها ترميم حياتك وإنجاز أعمالك في نفس الوقت، اجعل أهدافك سهلة وقريبة وممكنة التنفيذ، ومحافظة على المطلوب الأساسي منك:
- حافظ على الفرائض، وأد مسؤولياتك الأساسية في عملك وفي أسرتك بحسب استطاعتك.
- قلل من استنزاف نفسك، فلا تراقب مشاعرك طوال اليوم، ولا تكرر تقييم إيمانك ودرجة طمأنينتك.
- حاول العودة التدريجية إلى الحياة، واختر الأعمال النافعة التي تستطيع بها، وابدأ بواحد منها ولو كان محدودا.
- ولا تقس نجاحك في هذه المراحل بقدر ما تشعر به من السعادة أو الحماس، بل اجعل هدفك القدرة على المواصلة، والتعامل مع نفسك برفرف، وتقليل ما يستنزف منك نفسك.
وهذه التوجيهات التربوية والشرعية -أيها الحبيب- لا تغني أبدا عن متابعة الطبيب النفسي وما يصفه لك من الأدوية والتمرينات التي قد تكون سببا في استعادة جسمك لاعتداله وتصحيح مزاجك.
وآخر ما نوصيك به -أيها الحبيب-: ألا تجعل علاقتك بالله قائمة على انتظار الشعور بالطمأنينة؛ فالطمأنينة وانشراح الصدر سيكونان -بلا شك- ثمرة لأعمالك الصالحة بإذن الله تعالى وستصل إلى هذه المرتبة، ولكن الآن جاهد نفسك على أداء الفرائض مهما كان احساسك وشعورك أثنائها، ولو لم تحس بشيء من اللذة؛ جاهد نفسك على أدائها، وجاهد نفسك في الوقت نفسه على تحسين هذا الأداء، وستصل -بإذن الله تعالى- إلى مرحلة الطمأنينة، قال الله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} [العنكبوت: 69].
فاستعن بالله، وأكثر من دعائه أن يشرح صدرك ويذهب همك، وحافظ على الأذكار خلال اليوم والليلة، والإكثار من الاستغفار والصلاة على رسول الله ﷺ؛ فكل هذه أسباب أكيدة في طرد الهم والغم، وأسباب أكيدة في انشراح الصدر.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقك لكل خير.