يطالبونني بعمل فوق عملي دون أي مقابل أو تحسين للوضع!

0 2

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مشكلتي في مكان العمل الذي أعمل به، فمنذ فترة كان لدي مدير، ثم قام بتغيير جهة العمل، وجميع المهام التي كان يقوم بها أوكلت إلي دون أي مقابل، ودون حتى تدريب، حتى إنني كنت أعمل إلى آخر الليل لأتعلم كيف أنجز هذه الأعمال بمفردي؛ لأن لها تواريخ تسليم محددة لجهات مختلفة.

وأصبحت أعمل عملي القديم ومهام مديري السابق دون حتى تغيير المسمى الوظيفي، حيث بقيت على المسمى الوظيفي القديم نفسه والراتب نفسه، ونظرا لطبيعة العمل الموكل إلي وأهميته، فإن أي مشكلة أو خطأ قد تسبب لي ولجهة عملي مشكلة كبيرة جدا، وأنا الوحيد الذي أحاسب عليها، علما بأنني ما زلت أتعلم بمفردي، ولا أعرف جميع المهام؛ لأن مديري لم يعلمني إياها أو يشرحها لي.

ولو أرادوا أن يعينوا شخصا مكاني للقيام بهذه المهام، فسيكون راتبه أكثر من راتبي بأربعة أو خمسة أضعاف، علما بأن راتبي متدن أساسا مقارنة بالناس الذين أعمل معهم.

وقد تطور الأمر، وأصبحوا يطلبون مني أن أعمل في فترة إجازتي السنوية، وأن أعمل في غير أوقات العمل، وصار هذا الشيء حقا مكتسبا، وأحاسب على تقصيري فيه، وكل هذا دون أي مقابل أو تحسين للوضع.

حاولت التحدث معهم بأن يقوموا بكتابة عقد جديد معي بالمهام الجديدة والراتب المناسب لهذه المهام، لكنهم رفضوا، وقالوا: إذا كنت تريد راتبا يساوي ضعف راتبك، فابحث عن فرصة عمل أخرى.

أشعر بكثير من الظلم، وأصبحت لا أطيق العمل معهم، وكل يوم أفكر في الاستقالة، لكن المشكلة أنني أخاف أن أكون بهذا الفعل غير راض بقدر الله، وأن أغضب الله، وأكون قد ضيعت رزقا رزقني الله إياه، فأعاقب على ذلك.

علما بأنني قدمت امتحانا ونجحت فيه، وحصلت على شهادة في مجالي منذ عدة أيام - بفضل الله -، وأقوم بتطوير نفسي، وقد استخرت الله في أن أترك العمل وأشتغل على تطوير نفسي في هذه الفترة.

ولدي التزامات وأقساط شهرية، وإيجار المنزل، وابنتي في المدرسة، وفكرت في أن أبيع سيارتي وبعض الأشياء الأخرى التي تعينني عدة أشهر على هذه الالتزامات، وفي الوقت نفسه أطور نفسي وأبحث عن عمل، لكنني أخاف أن يطول موضوع البحث عن عمل بسبب عدم رضا الله سبحانه وتعالى عن فعلي هذا.

أنا حائر جدا، هل أترك هذا العمل وأبحث عن فرصة أخرى، أم أستمر فيه وأواصل الصبر؟

وقد قرأت أنه يجب مشاورة أهل الخير من أصحاب التقوى وسداد الرأي مع الاستخارة، ولن أجد أفضل منكم لاستشارته، حيث إنني أعتمد عليكم في جميع الفتاوى والاستشارات.

وشكرا لكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Mohammed حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أسأل الله تعالى أن يبارك لك في رزقك، ويعوضك خيرا، وييسر لك ما فيه صلاحك وأهلك، وأحسنت في حرصك على أن يكون قرارك منضبطا بالشرع، وفي خوفك من أن يكون ترك العمل اعتراضا على قدر الله تعالى؛ فهذا يدل على قلب يريد الحلال ويخشى الله سبحانه.

أخي الكريم، قبولك بالعمل والسعي فيه لا يعني أن تبقى فيه مهما تغيرت الظروف، كما أن تركك له بحثا عن فرصة أفضل لا يعني عدم الرضا بقدر الله تعالى، فالرضا بالقدر يكون في القلب، أما الأخذ بالأسباب واختيار ما هو أصلح في أمور الدنيا فهو من التوكل على الله تعالى، وليس اعتراضا عليه، قال تعالى: {فإذا عزمت فتوكل على الله} [آل عمران:159]، وقال النبي ﷺ: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز (رواه مسلم).

ومن وصفك، فالمشكلة ليست مجرد أنك تعمل أكثر قليلا، بل إن مسؤولياتك تضاعفت، وأصبحت تتحمل أعمالا ذات أثر كبير دون تدريب، أو تعديل وظيفي، أو مقابل مناسب، بل امتد الأمر إلى مطالبتك بالعمل خارج الدوام وفي الإجازات؛ ولذلك فمن حقك أن تبحث عن وضع مهني أكثر عدلا واستقرارا.

لكن لا أنصحك بالاستقالة الفورية؛ لأن عندك إيجارا وأقساطا وابنة في المدرسة، ومن الحكمة ألا تنتقل من ضغط وظيفي إلى ضغط مالي أكبر؛ لذا أنصحك بخطة متدرجة:

• ادرس وضعك المالي أولا، واحسب الحد الأدنى الذي تحتاجه أنت وأسرتك شهريا، وكم تستطيع أن تعيش لو انقطع راتبك، وكم شهرا تستطيع تغطية نفقاتك، ولا تبع سيارتك أو ممتلكاتك مباشرة قبل أن تعرف هل تحتاج إلى ذلك فعلا، وما البدائل المتاحة.

• ادرس سوق العمل من حولك، وابدأ الآن بالتقديم على الوظائف وأنت على رأس عملك، واستفد من الشهادة التي حصلت عليها حديثا، وحدد الشركات والجهات التي تحتاج إلى خبرتك، وما الرواتب المتوقعة، وكم تحتاج فعليا للانتقال، ولا تجعل قرارك مبنيا على الخوف وحده، ولا على الغضب من شركتك وحده.

• لا تتوقف عن تطوير نفسك، فما دمت استطعت الحصول على شهادة جديدة رغم ضغط العمل؛ فهذا مؤشر طيب على قدرتك، فخصص وقتا ثابتا يوميا أو أسبوعيا للتطوير، بدل ترك العمل ثم اكتشاف أن البحث عن الوظيفة الجديدة قد طال.

• حاول مرة أخرى من خلال الشخص الأقرب إلى تفهم وضعك، ولا تدخل في مواجهة مع الإدارة كلها، وابحث عن أكثر شخص في الشركة عقلا ولطفا وتأثيرا، واشرح له بهدوء أنك لا ترفض العمل، وإنما أصبحت تحمل مسؤوليات تفوق مسماك وراتبك، وأنك تريد حلا يحفظ مصلحة الطرفين، فأحيانا يصل الحل عن طريق شخص واحد متفهم أكثر مما يصل عن طريق المواجهة الرسمية.

• اطلب ترتيب الأولويات، لا مجرد زيادة الراتب، فإذا رفضوا تعديل راتبك، فاطلب على الأقل تحديد المهام والمسؤوليات، وتوفير التدريب، وعدم تحميلك أعمالا أثناء الإجازة إلا وفق النظام المتبع في جهة عملك، فوجود مهام واضحة يحميك من أن تصبح مسؤولا عن أخطاء في أمور لم تدرب عليها.

• وثق عملك ومسؤولياتك، واحتفظ بسجل واضح للمهام التي أسندت إليك، والتسليمات، والتعليمات، وما تم إنجازه؛ فهذا ليس خصومة مع الشركة، بل حماية مهنية لك، خاصة أنك تقول إن بعض الأخطاء قد تكون لها تبعات كبيرة.

• وإذا قررت الخروج، فلا تخرج فجأة، وابدأ بالانسحاب التدريجي، ولا تجعل الاستقالة أول خطوة، بل اجعلها آخر خطوة بعد بناء البديل قدر الإمكان، وإذا وجدت فرصة أفضل، فلا تقل: ربما يكون تركي لهذا العمل عقوبة من الله، فالرزق بيد الله تعالى، وليس محصورا في هذه الشركة، قال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق:2-3]، لكن التوكل ليس ترك الأسباب، بل خذ بالأسباب وقلبك متعلق بالله تعالى.

• وأمر مهم: لا تجعل كلمة "الصبر" تعني أن تقبل كل ظلم إلى ما لا نهاية، فالصبر أن تؤدي عملك بأمانة، وتحفظ لسانك، ولا تظلم، ثم تسعى لتغيير ما تستطيع تغييره بالطرق المشروعة، ولذلك لو كنت مكانك، فليس القرار عندي الآن: أستقيل أم أبقى؟ وإنما: سأبقى مؤقتا، وأطور نفسي، وأبحث بجدية عن البديل، وأعيد تقييم وضعي بعد فترة محددة، فإن وجدت فرصة مناسبة خرجت بهدوء، وإن لم أجد واصلت العمل مع تحسين قدرتي على التفاوض، وهكذا لا تكون أسيرا للعمل، ولا تقفز إلى المجهول.

ثم إني أنصحك أن تكثر من الاستخارة، وتذكر أن الاستخارة ليست انتظار حلم أو علامة، بل أن تستخير الله تعالى، وتستشير أهل الخبرة، وتدرس الأسباب، ثم تعزم على ما ترجح لديك، فإن تيسر فاحمد الله تعالى، وإن تعسر فاصرف قلبك عنه.

أسأل الله تعالى أن يبارك لك في شهادتك الجديدة، ويفتح لك بابا أوسع رزقا وأهدأ نفسا، ويحفظ لك زوجتك وابنتك، ويعينك على أقساطك والتزاماتك، ويرزقك عملا تستفيد فيه من خبرتك ويقدر فيه جهدك، ويكتب لك الخير حيث كان، ثم يرضيك به، آمين.

مواد ذات صلة

الاستشارات