كيف أتعامل مع سهر ولدي وتضييعه لوقته؟

0 1

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نحن عائلة ملتزمة بفضل الله، وقدر الله أن يمرض ولدي الصغير باللوكيميا، وأخوه الأكبر منه بدأ يسهر ويذهب إلى بيوت الأصدقاء بلا حدود، بسبب انشغالنا مع أخيه الأصغر.

ثم -الحمد لله- تعافى أخوه، ووجدت أنه يسهر مع صحبة ليست أفضل شيء، يلعبون الورق، ومنهم من يدخن، وكلما نهيته عن السهر وما فيه من تضييع للوقت، يقول: أنا عالجت نفسي بالسهر، وإلا كنت سأصاب بالاكتئاب، وقد نصحته مرارا، أحيانا يسهر إلى ما بعد الفجر، حتى الساعة التاسعة صباحا، ثم ينام إلى ما بعد العصر، ويقوم فيصلي الظهر ويعود إلى النوم، فهل هذا يعد عقوقا لي؟

هو يحاول التغيير، لكن الأمر ليس سهلا، وأريد منه أن يزكي نفسه بسماع مقطع يومي، ولو لمدة ربع ساعة، عن أي موضوع، لكنه لا يفعل، وقد تعبت كثيرا، وبالأمس أرسلت له صورة عن البر، فأخبرني قائلا: هل أنا عاق حتى ترسلي لي هذه الصورة؟!

هناك مشكلة حدثت عندما علم أن جدته تحدثت عنه -ولا أدري ما سياق الكلام-، لكن كان الحديث عن السهر والغياب عن الجامعة، والمهم أنه الآن لا يريد الذهاب لزيارتها، هو ليس سيئا، لكن السهر وضياع الأوقات، وبعض الصحبة العاطلين، ليست أمورا جيدة.

أفيدوني ماذا أفعل؟ وإذا كانت لديكم استشارات هاتفية فأفيدوني، بارك الله فيكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أم عبد الغني حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نسأل الله تعالى أن يتم نعمته عليكم بشفاء الابن الصغير، وأن يجزيكم خير الجزاء على صبركم واحتسابكم، وأن يصلح أبناءكم ويقر أعينكم بهم.

من خلال ما ذكرتم، يظهر أن ابنكم مر بفترة نفسية صعبة أثناء مرض أخيه، وربما شعر بشيء من الإهمال غير المقصود بسبب انشغال الأسرة بالعلاج والمتابعة، فلجأ إلى السهر والارتباط ببعض الأصحاب، ليعوض ما يشعر به من ضيق أو فراغ، وهذا لا يجعل السلوك صحيحا، لكنه قد يساعد على فهم أسبابه والتعامل معه بحكمة.

أما هل يعد ما يفعله عقوقا أم لا؟ فهذا أمر يعتمد على تشخيص الحالة، فإذا منعه والداه من السهر فخالفهما، فتلك معصية، فإن أصر عليها عد ذلك من العقوق، أما إذا لم يمنعاه فلا يعد فعله عقوقا بالمعنى الشرعي، لكن إذا كان الابن يتعمد إيذاء والديه أو احتقارهما أو الإصرار على مخالفة أوامرهما فيما فيه مصلحة ظاهرة له، فإن ذلك من صور العقوق أو من مقدماته.

وأما سؤاله لكم: هل أنا عاق حتى ترسلي لي هذه الصورة؟ فيدل على أن قضية البر والعقوق ما زالت حاضرة في نفسه، وهذا جانب إيجابي يمكن البناء عليه بالحوار الهادئ، لا بالتخويف المستمر.

أما الواجب تجاهه، فننصحكم بما يلي:

• تقوية العلاقة بالجلوس معه جلسات ودية، والاستماع إلى مشاعره وهمومه وأسباب تعلقه بالسهر والصحبة، فإذا توطدت الثقة نصحتموه ووجهتموه توجيها مباشرا؛ فكثرة التذكير بالأخطاء قبل تقوية العلاقة والتذكير بالضوابط قد تجعل الشاب يشعر بأنه متهم دائما، بينما يحتاج إلى الشعور بأن أسرته ترى جوانب الخير فيه، وتثق بقدرته على التغيير.

• العناية بالجانب الاجتماعي، فقوله: عالجت نفسي بالسهر وإلا كنت مكتئبا قد يكون مجرد تعبير عابر، وقد يكون مؤشرا على ضيق أو اضطراب نفسي مر به أثناء مرض أخيه؛ لذا يجب أن يشعر بالاهتمام الاجتماعي، بأن تجدوا له صحبة صالحة تكون بديلا اجتماعيا لصحبته الحالية، لأنه يصعب عليه ترك الرفقة السيئة ما لم يجد رفقة صالحة أو أنشطة نافعة تشغل وقته، كحلقة قرآن، أو نشاط رياضي، أو عمل جزئي، أو صحبة من أبناء المسجد وأهل الاستقامة.

• التدرج في الإصلاح، فلا تشترطوا عليه أن يتغير في كل شيء دفعة واحدة، بل يكفي أن يضع أهدافا عملية، مثل: تنظيم النوم، والمحافظة على الصلوات في أوقاتها، وتقليل السهر تدريجيا، وتقليل مخالطة رفقاء السوء، والانتظام في الدراسة.

• لا تجعلوا محور العلاقة معه هو السهر فقط، بل حاولوا أن يشعر بأنكم تحبونه وتفهمون ظروفه، وأنكم تقفون معه لا ضده، فكثير من الشباب يتغيرون عندما يجدون من يحتويهم ويثق بهم أكثر من تغيرهم بكثرة العتاب.

• بإمكانكم فتح مقطع من اليوتيوب للأسرة كلها، يتناول هذا المقطع الاستفادة من الوقت، والتنمية الذاتية للإنسان، فنحن في زمن تنافسي، لا مجال فيه إلا للمميزين، خاصة مع تطور التقنية ودخول الذكاء الاصطناعي، ومثل هذا السهر يؤثر على طالب الجامعة، ونبينا عليه الصلاة والسلام يحثنا على اغتنام الوقت فيقول: (اغتنم خمسا قبل خمس ...ومنها: فراغك قبل شغلك) فهذا الوقت هو وقت الزرع، وسيأتي الوقت الذي يسهر فيه ويستمتع بوقته مع أصحاب الهمم أمثاله... مثل هذه المعاني نتمنى أن تصل إلى أولادنا وشبابنا بأسلوب حكيم.

• أكثروا من الدعاء له في أوقات الإجابة، فقلوب الأبناء بين يدي الله تعالى، وهو سبحانه قادر على أن يردهم إليه ردا جميلا.

نسأل الله أن يصلح ابنكم، ويبارك فيه، ويجعله قرة عين لكم، وأن يجمع لكم بين صلاح الدين والدنيا، والله أعلم.

مواد ذات صلة

الاستشارات