السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أعيش في سكن للطالبات، ونحن 12 فتاة، وبالطبع لأننا من خلفيات مختلفة، فطباعنا مختلفة، وكذلك أوضاعنا الاجتماعية، وقد لاحظت أنني أنظر إليهن بنظر المتطلع إلى ما معهن، ثم بدأت أقارن نفسي بهن من حيث كل شيء، من حيث الشكل والوضع الاجتماعي وغير ذلك.
وهذا الأمر يحدث معي للمرة الأولى، وبعدها بدأت أستقل ما لدي، وأخاف أن يصل الأمر إلى الحسد وعدم الرضا، وقد دعوت الله كثيرا أن يرضيني من المعيشة بما قسم لي، وأتلو قول الله تعالى: {ولا تمدن عينيك إلىٰ ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا} حينما يحدث هذا، وأدعو لهن بالبركة كذلك، أخاف أن أقع في الإثم، وقد صار الأمر يتكرر معي حتى خارج السكن، وكأنه مرض ينتشر.
فما نصيحتكم لي؟ أثابكم الله.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ عائشة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
بداية، نشكرك -أختنا الكريمة- على ثقتك بموقع إسلام ويب.
بخصوص موضوعك، فاعلمي أولا أنك على خير؛ لأن مجرد شعورك بالخوف من الحسد وعدم الرضا، وسعيك لعلاج ما تجدينه في نفسك، دليل على إيمانك وحرصك على سلامة قلبك، فالمؤمن يحاسب نفسه ويجاهدها، أما من استسلم للمرض القلبي فإنه لا يشعر بخطره ولا يسعى إلى علاجه.
وما تجدينه من النظر إلى ما عند الآخرين ومقارنة نفسك بهم أمر يقع لكثير من الناس، خاصة عند كثرة المخالطة ورؤية الفوارق في الجمال أو المال أو المستوى الاجتماعي أو غير ذلك، لكن الخطر ليس في مرور الخاطر العارض، وإنما في الاسترسال معه، حتى يتحول إلى سخط على قدر الله، أو تمني زوال النعمة عن الآخرين.
وقد أرشدنا الله تعالى إلى كيفية علاج هذه الحالة، وذلك بالنهي الرباني عن التطلع إلى ما عند الناس، بقوله تعالى: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا} [طه: 131]، بعد أن بين سبحانه أن قسمة الأرزاق من عنده، فقال: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا} [الزخرف: 32].
فالأرزاق، والهيئات، والقدرات، والأحوال الاجتماعية، كلها مقادير قسمها الله بين عباده بحكمته، علما أن حب الله للعبد لا يقاس بما ينعم الله به على عباده من زينة الحياة الدنيا، كزيادة المال أو الجمال، وإنما يقاس بما ينعم الله به على الإنسان من تقوى وإيمان؛ لقوله ﷺ: إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن يحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه لذلك ننصحك بما يعينك على العلاج:
• الإكثار من شكر الله على ما لديك، فكلما رأيت نعمة عند غيرك، فتذكري النعم الكثيرة التي أنعم الله بها عليك من دين وصحة وأمن وأهل وغير ذلك.
• النظر إلى من هو دونك في أمور الدنيا، لا إلى من هو فوقك؛ فقد قال النبي ﷺ: انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم.
• الدعاء للآخرين بالبركة كما تفعلين، فهذه من أنفع وسائل دفع الحسد وإصلاح القلب.
• شغل النفس بما ينفعها من علم وعبادة وإنجاز؛ لأن الفراغ وكثرة مراقبة أحوال الناس يزيدان المقارنات ويغذيانها.
• استحضار أن لكل إنسان ابتلاءه الخاص، فقد ترين جانبا من النعمة عند شخص، ولا ترين ما عنده من هموم أو آلام أو مشكلات خفية.
واعلمي أن الحسد المذموم هو تمني زوال النعمة عن الغير، أما مجرد إعجابك بما عند الناس أو تمنيك مثل ما عندهم دون زواله عنهم فليس من الحسد المحرم، بل قد يكون من الغبطة الجائزة إذا كان في أمر من أمور الخير، كما نطمئنك إلى أن الخواطر التي يكرهها الإنسان ويجاهدها لا يؤاخذ بها؛ قال النبي ﷺ: إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم.
فاستمري في مجاهدة نفسك، وأكثري من ذكر الله وشكره، وجددي الرضا بقضائه، ولا تجعلي هذه الوساوس تكبر في نفسك، بل عامليها على أنها خواطر عارضة تدفع بالاستعاذة والدعاء والانشغال بما ينفع.
نسأل الله أن يملأ قلبك قناعة ورضا، وأن يبارك لك فيما أعطاك، وأن يجعلك من الشاكرات الراضيات.