السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا شاب، أبلغ من العمر 17 عاما، أعاني مشاكل عديدة في حياتي، تملأني العقد، ولا يهدأ عقلي من التفكير والتوقف قليلا للتركيز على حياتي الحقيقية، مع أن التفكير انصب في الآونة الأخيرة على الحياة وفهم معناها، لدرجة أنني كتبت بعض العبارات الفلسفية، ومن شدة التفكير أصبحت المنطقة الخلفية من رأسي وكأنها مشدودة، وتولد شعور مزعج، إلا أنني أعلم أنني إذا أقلعت عن التفكير، فبسبب العقد والبيئة غير المناسبة، فلن تكون النهاية سعيدة أبدا، وبدأت أرى آثار ذلك منذ الآن.
لم أشعر بالراحة والإنجاز الحقيقي المتزن قط، لم أشعر بأنني راض عن نفسي رضا حقيقيا، بل حتى الرضا كان وهميا؛ لأنني لم أكن منجزا، بل أغشي على بصيرتي لأظن ذلك، أريد التغيير، وأطمح بأن أكون أفضل البشر، ومتبعا لتعاليم الإسلام في وقت من يتبعونه بالطريقة الصحيحة يكادون يحصون على الأصابع في كل دولة، لكن وقبل وقت قليل جدا، كنت أتصفح الموقع، ورأيت أحدهم سأل سؤالا عن تلف الدماغ والإباحية، مع أنني أعلم إجابته، إلا أن عقلي قرر الاستسلام لأن الإباحية تدمر الدماغ دون عودة.
ومن هذا المنطلق بدأت تفتر الرغبة في الإنجاز، أعي أنها وسيلة هروبية لتخفيف الضغط، لكن لا قدرة لي على التغلب عليها، بسبب إحدى المشكلات أيضا وهي الهروب الدائم غير المسيطر عليه من جميع الضغوط، والتي تقف حائلا رئيسا أمام التغيير، كما أنني غير مرتاح في بيئتي، أقراني في سني لا أجد منهم المتزن المستقيم لأرافقه، لكن هذا ليس الأساس، بل المشكلة الأساسية هي عدم ارتياحي في المنزل، بالرغم من أنني في هذا السن إلا أنني لا أمتلك أبسط الحقوق، كاختيار الملابس، ووقت النوم والنهوض منه، ووقت الاستحمام، وغير ذلك من الأشياء البسيطة!
والدتي دوما تصرخ وتسب، حتى تكاد لا تناديني باسمي، ولا تتكلم معي بهدوء، وتصل حتى إلى الضرب، ووالدي يصغي لها دون تحقق، مع أنني حافظ للقرآن الكريم، ومتفوق في دراستي، وفي دولتي تقام الثانوية العامة على مرحلتين، في الأولى أحرزت 29 من 30، وأنا معروف بين الناس بالاحترام، حتى أن أقراني المنحرفين يحترمونني، وكل ما أرغبه هو الهدوء في هذه المرحلة الثانية لأحقق حلمي بالطب، لكن في ظل مشاركتي الغرفة مع أخي الصغير الذي لا يكاد جهازه ينطفئ والظروف السابقة فالهدوء أحلام يقظة.
من كثرة المشكلات، فهنالك ما لم أذكره أيضا!
آسف على الإطالة، لكنني لا أدري ما أفعل، فما الحل؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ براء حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أسأل الله تعالى أن يحفظك، ويشرح صدرك، ويعينك على نفسك وبيئتك، وأن يرزقك السكينة والتوفيق، ويبلغك حلمك في الطب، وينفع بك.
وأحب أن أقول لك أولا: في كلامك جوانب مبشرة جدا؛ فحفظك للقرآن، وتفوقك الدراسي، وحرصك على الاستقامة، ورغبتك الصادقة في إصلاح نفسك، كلها نعم عظيمة، فلا تنظر إلى نفسك وكأنك إنسان فاشل يحتاج إلى أن يبدأ من الصفر.
يا بني، يبدو أن مشكلتك الأساسية ليست أنك لا تريد التغيير، بل أنك تحاول إصلاح حياتك كلها دفعة واحدة، وتفكر في مستقبلك، ودينك، ونفسك، وبيئتك، وماضيك حتى أصبح التفكير نفسه يستنزفك، وتذكر أن الله تعالى لم يطلب منك أن تكون "أفضل البشر"، وإنما طلب منك أن تسير إليه بما تستطيع، قال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: 16].
أما فكرة أن الإباحية "تدمر الدماغ" فلا تستسلم لها، فالوقوع في المعصية لا يعني أن مستقبلك انتهى، ولا أن قدرتك على الإنجاز ذهبت بلا رجعة، والتوبة، والإقلاع، وبناء العادات الصالحة يمكن أن يغيروا مسارك -بإذن الله تعالى-، فلا تجعل خوفك من آثار الماضي يتحول إلى سبب للاستمرار فيه، فالنبي ﷺ قال: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز" رواه مسلم، ولاحظ التوازن: احرص، واستعن بالله تعالى، ولا تعجز، ولا تجلس لتحلل نفسك طوال اليوم؛ بل افعل ما ينفعك.
ماذا تفعل الآن؟
• اجعل هدفك الأول في هذه المرحلة الدراسة الثانوية، إصلاح حياتك كلها، فأنت أمام مرحلة مهمة وحلمك الطب، فضع لنفسك نظاما بسيطا: ساعات محددة للدراسة، ونوم كاف، وصلاة، وحركة يومية، ووقت محدود للهاتف، فالنجاح الآن في إنجاز واجبات اليوم، وليس في حل جميع مشكلات حياتك.
• لا تدخل في نقاشات فلسفية طويلة مع نفسك: فالتفكير في معنى الحياة قد يكون نافعا إذا قاد إلى العمل، لكنه يصبح مؤذيا إذا تحول إلى اجترار: لماذا أنا هكذا؟ ماذا سيحدث لمستقبلي؟ هل دمرت نفسي؟ هل سأصبح شخصا عظيما؟ وعندما يبدأ هذا الدوران، قل لنفسك: "ليس مطلوبا مني حل هذا الآن، عندي مهمة اليوم"، ثم عد إلى ما بين يديك.
• بالنسبة للإباحية: لا تنتظر قوة خارقة، أغلق الأبواب التي توصلك إليها، وابتعد عن الخلوة الطويلة بالهاتف، واحذف المصادر والحسابات المحفزة، وإذا وقعت فلا تقل: انتهيت، بل تب فورا وابدأ من جديد، والمهم أن يتحول كل سقوط إلى معرفة بسبب السقوط، وإغلاق ذلك الباب، والاستعانة بالله تعالى على التوبة النصوح.
• لا تجعل سوء البيئة يحكم مستقبلك: قد لا تستطيع تغيير والدتك أو أخيك أو ظروف المنزل الآن، لكنك تستطيع أن تبحث عن أكبر قدر ممكن من الهدوء: مكتبة، أو مسجد، أو مكان دراسة مناسب، أو بيت قريب موثوق، أو حتى الاتفاق مع الأسرة على ساعات محددة يوميا للهدوء، فوجود أخ صغير بجوارك ليس أمرا يجب أن تستسلم له؛ ابحث عن البدائل العملية.
• فيما يخص صراخ والدتك وضربها: أنت مطالب ببرها واحترامها، لكن الضرب والإهانة ليسا أمرا ينبغي أن تتحمله وحدك، فأخبر والدك بهدوء في وقت مناسب، أو شخصا بالغا حكيما من العائلة تثق به، دون تشهير بأمك أو تحويل الأمر إلى معركة داخل البيت.
• لا تحتقر إنجازاتك لأنك لم تصل إلى الكمال: فحصولك على 29 من 30، وحفظك القرآن، واحترام الناس لك ليست أوهاما، نعم، لا تجعلها سببا للغرور، لكن لا تجعل التواضع يتحول إلى جلد للذات، بل قل: الحمد لله، أنجزت هذا، وما زال أمامي المزيد.
وأخيرا، لا تجعل هدفك أن تصبح إنسانا بلا عيوب؛ فهذا مستحيل، بل اجعل هدفك أن تكون كل يوم أفضل قليلا من الأمس، وإذا استمر شد الرأس أو الصداع، أو أصبح التفكير خارج السيطرة ويؤثر في نومك، أو دراستك، فتكلم مع طبيب، أو مختص نفسي موثوق؛ فطلب المساعدة ليس ضعفا ولا نقصا في الدين.
يا بني، أنت في السابعة عشرة، ولست مطالبا بأن تحمل حياتك كلها على كتفيك الآن، فأمامك سنوات طويلة للتعلم والنضج والتوبة وبناء نفسك، فخذها مرحلة مرحلة، ويوما بيوم، قال تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ [العنكبوت: 69]، فلا تنتظر أن تشعر بالراحة حتى تبدأ؛ بل ابدأ، وستأتي الراحة -بإذن الله تعالى- مع السير.
وأخيرا: نحب أن ننبهك إلى قولك: ((ومتبعا لتعاليم الإسلام في وقت من يتبعونه بالطريقة الصحيحة يكادون يحصون على الأصابع في كل دولة))، فهذا الكلام لا يصح، ومن أين توصلت إلى هذا العدد؟ إن الخير في أمة النبي صلى الله عليه وسلم موجود إلى يوم القيامة، ولا يصح تحديد عدد للمهتدين وبالتالي فغيرهم يكونون على الضلالة؟ ولازم هذا القول أن غالب الأمة على ضلالة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي حسنه بعض أهل العلم: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة))، ومن ينسب الضلال لمجموع الأمة يخشى أن يقع تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من قال هلك الناس فهو أهلكهم))، فابتعد عن هذه التصنيفات، ولا تحاكم الآخرين، واجعل أكبر همك وشغلك: كيف تنجو بنفسك؟
أسأل الله سبحانه أن يشرح صدرك، ويثبتك على القرآن والطاعة، ويصرف عنك الإباحية وسائر الفتن، ويعينك على ظروف بيتك، ويرزقك صحبة صالحة، ويبارك في علمك، ويفتح لك طريق الطب، ويجعلك نافعا لدينك وأهلك والناس، ويبدل قلقك سكينة واضطرابك طمأنينة.
وبالله التوفيق والسداد.