السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا متزوجة منذ 19 سنة، وعندي ثلاثة أبناء أعمارهم: 17، 14، وسنتان، وزوجي طبيب عمره 43 عاما، ونحن مغتربون نعيش في دولة أوروبية، وقد اعتدنا أن نخرج سويا في إجازة كل سبت معا، وبدأ زوجي منذ فترة يريد أن يخرج بمفرده مع أصدقائه الرجال بدوننا كل شهرين تقريبا، ليقضي يوم السبت كاملا بمفرده، علما أنه يخرج بانتظام كل أسبوع لممارسة الرياضة مع أصدقائه، وعندما تناقشت معه في أن هذا الأمر يضايقني؛ لأننا نجلس في البيت ولا نخرج في هذا اليوم، وقد اعتدنا أن نقضيه سويا كعائلة، وعلما أني لا أقود سيارة ونعتمد عليه في السفر والخروج مع الأولاد، وهو بقية الأسبوع مشغول في عمله.
أنا أريد أن أحافظ على نظام بيتي، وأن يجد الأولاد وقتا للنقاش مع والدهم والجلوس معه، وهو يعتبر هذا تحكما مني، وأنه لا يجوز لي التدخل طالما أنه بقية الشهر يقوم بواجبه تجاهنا.
أيضا ليس عندنا أسر مسلمة ليختلط الأولاد بهم، فنحن نعتمد على أن نخرج معهم حتى لا يختلطوا بغير المسلمين، أو يجلسوا على الشاشات فترة طويلة في البيت، وهذا ما يحدث عندما يخرج زوجي ويتركنا بمفردنا، أرجو الإفادة والنصيحة لي ولزوجي.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ بسنت حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أسأل الله تعالى أن يبارك في زواجكما وأولادكما، وأن يديم بينكما المودة والرحمة، ومن الجميل في سؤالك أنك لا تطلبين مجرد حق شخصي، بل تفكرين في تماسك الأسرة ووقت الأب مع أبنائه وحماية الأولاد من الفراغ والشاشات، وهذه نية طيبة تستحق التقدير.
أختي الكريمة، بعد تسعة عشر عاما من الزواج وثلاثة أبناء، من الطبيعي أن تتأثري عندما يتغير نظام اعتدتم عليه سنوات طويلة، خصوصا أن يوم السبت كان يمثل بالنسبة لكم فرصة نادرة لاجتماع الأسرة، وأنك لا تستطيعين الخروج بالأولاد وحدك بسهولة؛ لذلك فمشاعرك ليست في أصلها تحكما ولا تشبثا غير مبرر.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن نفرق بين حق الزوج في أن يكون له وقت خاص مع أصدقائه وبين حق الزوجة والأبناء في وقت منتظم مع الأب والأسرة، فليس من العدل أن يقال له: لا يجوز لك أن تخرج مع أصدقائك أبدا، كما أنه ليس من الحكمة أن يقال لك: ما دمت أنفق وأقوم بواجباتي فلا شأن لكم بوقتي مطلقا؛ فالزواج ليس مجرد نفقة وسكن، وإنما هو عشرة ومشاركة وحضور، قال تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء: ١٩]، وقال سبحانه: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها﴾ [طه: ١٣٢]، ومن هدي النبي ﷺ أنه كان يراعي أهله، ويخصص لهم من وقته، مع أنه كان له أصحابه وعبادته وأعماله، وقال ﷺ: خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي رواه الترمذي.
وفي المقابل، من حق الزوج أن تكون له صحبة ونشاطات خاصة، وليس مطلوبا أن يكون كل وقته خارج العمل للأسرة؛ فالإنسان يحتاج إلى الراحة والصحبة وتجديد النشاط، وقد قال النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: إن لعينك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه رواه البخاري.
لذلك لا أنصحك بأن تجعلي القضية: إما أن تخرج معنا وإما أنك مخطئ، ولا أنصح زوجك كذلك بأن يجعلها: هذا وقتي ولا يحق لك التدخل، الأفضل أن تتحول المسألة من صراع على السبت إلى اتفاق عائلي واضح يراعي الجميع.
يمكنكما مثلا الاتفاق على أن يكون للزوج يوم أو جزء من يوم كل شهرين مع أصدقائه، وهذا في ذاته ليس كثيرا، لكن في المقابل يبقى للأسرة وقت ثابت لا يلغى إلا لضرورة، كأن يكون يوم السبت العائلي أو نصف يوم منه، وإذا كان يريد يوم السبت تحديدا، فيمكن أن يخرج مع أصدقائه ساعات محددة ثم يعود ليقضي بقية اليوم معكم، أو تختاروا أسبوعا معينا يكون له فيه وقته الخاص، مع المحافظة على بقية الأسابيع للأسرة.
وأهم نقطة: لا تجعلي أبناءك في مواجهة أبيهم، ولا تقولي لهم إن والدهم اختار أصدقاءه وترككم؛ لأن ذلك قد يزرع في نفوسهم صورة سلبية عنه، بل ليكن الاتفاق بينكما كزوجين، وأنتم بعد ذلك تظهرون للأبناء أن للأب وقتا خاصا وللأسرة وقتا خاصا.
أما خوفك من الشاشات واختلاط الأولاد، فهو خوف مفهوم، لكن لا ينبغي أن يصبح الحل الوحيد هو أن يكون الأب موجودا كل سبت، يمكنكم أن تضعوا بدائل: نزهة قريبة يمكن الوصول إليها بوسيلة نقل أخرى، زيارة عائلية، نشاطا رياضيا للأبناء، مكتبة أو مركزا إسلاميا، برنامجا منزليا جماعيا، أو تحديد ساعات للشاشات، ولا يلزم أن تكون كل عطلة رحلة طويلة؛ المهم وجود وقت أسري مقصود ومنتظم.
وأوصي زوجك خصوصا أن يفهم أن الأبناء في عمر 17 و14 سنة يحتاجون إلى الأب بصورة كبيرة، حتى لو لم يظهروا ذلك، والابن في هذه المرحلة قد لا يحتاج إلى محاضرة من أبيه بقدر حاجته إلى الجلوس معه، والحديث عن الدراسة، والأصدقاء، والمستقبل، وما يراه ويسمعه، أما الطفل ذو السنتين فيحتاج إلى حضور الأب ودفء علاقته به، لذلك فوجود الأب مع الأسرة ليس مجرد خروج وترفيه، بل جزء من التربية.
وفي المقابل أوصيك أنت ألا تحملي كل خروج للزوج على أنه انتقاص من الأسرة، إذا خرج مرة كل شهرين مع أصدقائه وهو قائم بحقوق بيته، فهذا في ذاته لا يدل على تقصير أو عدم محبة، أعطيه مساحة من الراحة، لكن اطلبي في المقابل حق الأسرة في وقت معلوم ومنتظم بأسلوب هادئ، لا بأسلوب المنع والخصومة.
وأخيرا: لا تبحثي عن حياة أسرية مغلقة تماما خوفا من المجتمع، ولا عن حياة مفتوحة بلا ضوابط خوفا من العزلة، المطلوب أن تكون الأسرة قوية من الداخل، واعية بما يدخل عليها من الخارج، ولها علاقات طيبة وآمنة بقدر الإمكان.
الخلاصة: لزوجك حق في وقت خاص مع أصدقائه، ولكم حق في وقت أسري منتظم، ولا ينبغي أن يلغى أحد الحقين لصالح الآخر، والحل ليس أن يربح أحدكما النقاش، وإنما أن تضعا نظاما عادلا يحفظ للزوج راحته، وللزوجة استقرارها، وللأبناء نصيبهم من أبيهم.
أسأل الله تعالى أن يؤلف بين قلبيكما، وأن يرزق زوجك الحكمة في الموازنة بين حق نفسه وحق أهله، ويرزقك السكينة وحسن الحوار، ويحفظ أبناءكم من الفتن، ويجعل بيتكم بيت مودة ورحمة وصلاح.