السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا متزوجة منذ سنتين، والحمد لله؛ فحياتنا الزوجية مستقرة جدا، وعلاقتنا جيدة، وزوجي يعاملني معاملة حسنة، وأنا أيضا -بحسب قوله- نعم الزوجة.
بالصدفة، تعطل هاتفي، وكان لدى زوجي هاتف قديم لم يستخدمه منذ ما قبل الزواج، فأخذته لأستخدمه مؤقتا لحين إصلاح هاتفي، ولم تكن في نيتي مطلقا أن أفتش وراءه أو أبحث في أموره، والحمد لله، لم أسع إلى معرفة أي شيء عن ماضيه؛ حتى لا أجعل ذلك مدخلا للشيطان بيننا، ولأن كل إنسان خطاء.
كنت أظن أن الهاتف فارغ، لكنني وجدت عليه -بالصدفة- صورا له مع فتاة في أماكن عامة، ومقاطع فيديو توحي بوجود علاقة بينهما تتجاوز مجرد الصداقة، وكان تاريخها خلال فترة خطبتنا.
أعلم أنني لا ينبغي أن أحاسبه على أي ماض قبل وجودي في حياته، لكن ما يضايقني هو أننا كنا مخطوبين في ذلك الوقت، وكانت علاقتنا ببعضنا -والحمد لله- جيدة جدا أثناء الخطبة، فكيف استطاع أن يفعل ذلك؟ أشعر بغصة شديدة في قلبي، ولا أعرف هل أواجهه بما اكتشفته، وأتحدث معه بهدوء لأفهم سبب ما فعله، أم لا؟ خصوصا أنني متأكدة من أنه لا تربطه حاليا أي علاقة بهذه الفتاة أو بغيرها، وأن علاقتنا الزوجية جيدة جدا، لكن لدي رغبة شديدة في أن أجد لديه مبررا يطمئن قلبي ويخفف ما أشعر به.
انصحوني بارك الله فيكم.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ آمنة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نرحب بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يبارك لك في زوجك، ويديم بينكما المودة والرحمة، ويصرف عنكما نزغات الشيطان.
أختنا الكريمة، جميل في رسالتك حرصك على استقرار بيتك، وحسن ظنك بزوجك، وعدم رغبتك في محاسبته على ماضيه؛ وهذه أمور تدل على نضجك وحكمتك.
أختي الكريمة، ما تشعرين به من غصة ليس لمجرد وجود صور قديمة، بل لأنك اكتشفت أنها تعود إلى فترة الخطبة التي كنت تظنين أن العلاقة فيها واضحة وصادقة، ومن الطبيعي أن تتساءلي: كيف حدث ذلك ونحن مخطوبان وكانت علاقتنا جيدة؟ وأنت ذكرت أن زوجك يحسن معاملتك، وأن حياتكما مستقرة، وأنك متأكدة من انقطاع علاقته بتلك الفتاة، وهذه معطيات مهمة لا ينبغي أن يطغى عليها ما اكتشفته مصادفة.
• أولا: لا تجعلي رغبتك في معرفة المبرر بابا لا ينتهي من الأسئلة؛ فقد تسمعين تفسيرا لا يزيل ألمك تماما، أو تجدين نفسك بعد الإجابة تتساءلين عن تفاصيل أخرى، وليس كل ما نعرفه يريحنا، وليس كل ما خفي عنا يلزم أن نفتش عنه، والشيطان قد يستغل هذه الثغرة ليحول موقفا من الماضي إلى شك دائم في الحاضر.
• ثانيا: التوبة تمحو ما قبلها بإذن الله تعالى، قال تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا علىٰ أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} [الزمر:53]، فإذا كان زوجك قد تاب من الخطأ وقطع العلاقة، فلا ينبغي أن يبقى أسير ماضيه، ولا أن تحاسبيه إلى الأبد على أمر انتهى، وفي المقابل، لا نعلم من الصور وحدها جميع تفاصيل ما حدث أو دوافعه، فلا تبني عليها أحكاما أكبر مما تحتمل.
• ثالثا: هل تواجهينه أم تتجاوزين الأمر؟
الرأي والله أعلم ما دامت حياتكما مستقرة، ولا توجد علاقة قائمة أو قرائن جديدة تثير القلق، فالأقرب لحفظ بيتك وراحة قلبك أن تتجاوزي الأمر، وألا تفتحي ملفا قد لا تجنين من فتحه إلا مزيدا من الألم، ولا يلزمك أن تعرفي كل تفاصيل ماضيه، أما إن وجدت أن الأمر يؤلمك بشدة ويؤثر في قربك منه، ولم تستطيعي تجاوزه مع الوقت.
فيمكنك الحديث معه بهدوء، دون اتهام أو استجواب، مع إدراك أن الحديث قد يفتح مشاعر وتفاصيل لا يسهل سماعها، واجعلي هدفك فهم ما تحتاجين إليه لبناء الثقة، لا انتزاع مبرر يضمن لك زوال الألم تماما (ولا أنصحك بهذه الخطوة حاليا).
• رابعا: ما حدث في الماضي لا يعني أنك كنت أقل شأنا، ولا أن معاملته الحسنة لك اليوم زائفة بالضرورة، بل انظري إلى أفعاله الحالية، وصدقه، ووفائه، وطريقة تعامله معك، ولا تسمحي لصور قديمة أن تتحول إلى ميزان تحاكمين به كل لحظة في حياتكما.
ختاما: استثمري علاقتكما الطيبة في زيادة المودة، والتعاون على الطاعة، والتذكير بالله تعالى برفق ومحبة، لا بطريقة توحي بأنك تتهمينه أو تلمحين إلى ما اكتشفته، قال النبي ﷺ: لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر [رواه مسلم]؛ أي لا يحمل كره خصلة على إغفال بقية الخصال الحسنة، والمعنى هنا أن ننظر إلى الإنسان نظرة متوازنة، لا أن نختزل حياته كلها في موقف واحد.
أسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويذهب عنك الغصة والقلق، ويبارك لك في زوجك، ويؤلف بين قلبيكما، ويجعل بيتكما قائما على الصدق والرحمة والستر، ويصرف عنكما وساوس الشيطان.