السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أشكر لكم اهتمامكم وحسن فعالكم.
فتاة متعلمة، طبيبة أسنان، تسعى لتبدأ مرحلة الماجستير، حافظة للقرآن، وتسعى للعمل رغم صعوبة إيجاده في الوقت الحالي.
قبيل تخرجي كانت لي أحلام وطموحات كثيرة بحكم اختصاصي واعتيادي على الاجتهاد، ولكني لأسباب تجاوزت إمكاناتي تأجل تخرجي فصلا دراسيا واحدا، وخلال انتظاري لإتمام تخرجي بحثت كثيرا عن عمل في مجالي، وعملت ما تيسر لي حتى تجاوزت امتحاني وتخرجي، ولكني فقدت كل همتي للدراسة والسعي؛ لأنني رأيت من الفشل ما حطم طموحي، خصوصا مع حاجتي للعمل والمال!
وما زاد من تحطمي هو عدم وجود خطاب نهائيا، رغم أنني غير متكبرة في شروطي كباقي الفتيات في مجالي نفسه، لدي أقرباء سامون ومشاكل عائلية، وأحيانا أقول إنه من تدبيرهم، خصوصا أننا نسكن في البناء نفسه، وأحيانا أفكر أنني مسحورة.
أحاول كثيرا أن أطور نفسي وأنشغل بها، لكني تعبت، وبدأت أفكار الفشل والعنوسة وقلة العمل تغزوني، وأخاف أن أضيع بما لا يرضي الله حتى ولو بالأفكار، والفتن كثيرة، ونحن عباد لا حول لنا، نخطئ ونستغفر، فبم أستمسك من عبادات وأعمال؟ وبم أقوي نفسي الضعيفة؟ وكيف أستدل إن كان هناك سحر -والعياذ بالله-؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أسماء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أختي الكريمة، أسأل الله تعالى أن يجبر قلبك جبرا يليق بكرمه، وأن يفتح لك أبواب الرزق والتوفيق، ويرزقك الزوج الصالح، ويصرف عنك الهم والحزن.
من الجميل أنك واصلت السعي رغم تعثرات التخرج وصعوبة العمل، وهذا يدل على اجتهاد وصبر، فلا تسمحي لتأخر بعض الأمنيات أن يحجب عنك ما أنجزته بالفعل.
أختي، أنت لا تعانين من مشكلة واحدة، بل من تراكم خيبات الأمل في العمل، والدراسة، والزواج، حتى أصبحت تنظرين إلى المستقبل من خلال الخوف من الفشل، وعندما يجتهد الإنسان طويلا ولا يرى النتائج التي يرجوها؛ قد يشعر بأن أبواب الحياة كلها مغلقة، مع أن تأخر باب لا يعني أن سائر الأبواب ستبقى مغلقة.
أولا: لا تجعلي تأخر الزواج والعمل حكما على قيمتك: تأخر تخرجك فصلا دراسيا لا يلغي علمك، وصعوبة الحصول على عمل لا تعني أنك غير كفؤة، وعدم تقدم الخطاب لا يعني أن فيك نقصا، الزواج والرزق يجريان بأسباب وأقدار متعددة، ولا يمكننا أن نعرف الحكمة من تأخرهما في حالتك، لكن لا يصح أن تجعلي التأخر دليلا على أنك فاشلة أو أن المستقبل انتهى، قال تعالى: ﴿وعسىٰ أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم﴾ [البقرة:216]، هذا لا يعني أن كل تأخير خير ظاهر لنا، وإنما يعني ألا نحصر الخير فيما نريده وفي الوقت الذي نريده.
ثانيا: لا تستنزفي نفسك في تفسير كل ما يحدث بالسحر أو بتدبير الأقارب: نؤمن بأن السحر مذكور في القرآن الكريم، لكن وجود مشكلات عائلية أو تأخر في العمل والزواج لا يعد دليلا على السحر، ولا يصح اتهام الأقارب دون بينة، قد يؤدي ربط كل تعثر بالسحر إلى زيادة الخوف والشك، وصرف طاقتك عن الأسباب الواقعية التي يمكنك العمل بها.
إذا أردت التحصن، فحافظي على أذكار الصباح والمساء، واقرئي الفاتحة، وآية الكرسي، وسور الإخلاص والفلق والناس، واقرئي سورة البقرة في بيتك بحسب استطاعتك، دون أن تحملي نفسك برنامجا مرهقا، أو تربطي كل تحسن بعلامات معينة، والرقية الشرعية دعاء وعبادة وسبب مشروع، وليست وسيلة للجزم بأن شخصا ما سحرك، واحذري من المشعوذين الذين يطلبون المال أو يزعمون معرفة الساحر أو يطلبون طلاسم وأمورا محرمة.
ثالثا: استمسكي بعبادات قليلة ثابتة، ولا تجعليها عبئا إضافيا عليك: حافظي على الصلوات الخمس في أوقاتها، فهي الأساس الذي تعودين إليه في كل حال.
• اجعلي لك وردا يوميا من القرآن، ولو صفحات قليلة، مع تدبر آية واحدة والعمل بها.
• حافظي على أذكار الصباح والمساء والاستغفار، دون اعتقاد أن عددا معينا سيضمن لك وظيفة أو زواجا في موعد محدد.
• أكثري من الدعاء، ومنه دعاء موسى عليه السلام: ﴿رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾ [القصص:24].
• استمري في التوبة إذا أخطأت، ولا تخافي من الفتن حتى تعيشي في قلق دائم، بل ابتعدي عن أبواب المعصية ما استطعت، وأشغلي وقتك بما ينفعك، واستعيني بالله تعالى إذا ضعفت، قال ﷺ: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز) رواه مسلم.
رابعا: أعيدي ترتيب أهدافك بصورة واقعية: لا تطلبي من نفسك أن تحققي الماجستير والعمل والزواج والاستقرار النفسي كلها في وقت واحد، اختاري لكل مرحلة أولوية واضحة:
• في العمل: حددي عددا معقولا من طلبات التوظيف أسبوعيا، وتواصلي مع زملاء موثوقين وأطباء في مجالك، وابحثي عن فرص التدريب والعمل المؤقت المرتبط بتخصصك، مع مراجعة سيرتك الذاتية.
• في الماجستير: لا تتخلي عن طموحك لمجرد أنك مرهقة الآن، ضعي خطة بسيطة لمعرفة شروط التقديم ومواعيده وتكاليفه، ثم قرري هل يمكنك البدء الآن، أم تحتاجين إلى تأجيل منظم حتى تتحسن ظروفك المالية؟
• في الزواج: أخبري من تثقين بهم من الأهل والصديقات برغبتك في الزواج، ووسعي دائرة التعارف المشروع عن طريق أشخاص موثوقين، راجعي شروطك بإنصاف، لا لتتنازلي عن أساسيات الدين والخلق والتوافق، بل لتمييز الضروري من الأمور التفضيلية.
• في حياتك اليومية: خصصي وقتا للراحة والحركة واللقاء بأشخاص ترتاحين إليهم، ولا تجعلي كل يوم اختبارا لمدى نجاحك.
خامسا: انتبهي إلى إرهاقك النفسي: قولك إن همتك تراجعت، وإن أفكار الفشل والعنوسة تلاحقك رغم محاولاتك تطوير نفسك يدل على أنك تحملت ضغطا طويلا، فإذا استمر الحزن أو فقدان الدافعية وأثر في نومك أو شهيتك أو قدرتك على أداء مهامك؛ فاستعيني بأخصائية نفسية موثوقة؛ فطلب المساعدة لا يناقض الإيمان أو التوكل، بل هو من الأخذ بالأسباب.
وأريدك أن تتذكري أنك لست مشروع زواج لم يكتمل، ولا سيرة ذاتية تنتظر وظيفة، بل إنسانة لها قيمة وعبادة وعلاقات وحياة حتى قبل تحقق هذه الأمنيات، وكل شيء يجري بقضاء الله تعالى وقدره، فلا تؤجلي رضاك عن نفسك إلى اليوم الذي تتزوجين فيه، أو تحصلين على العمل الذي تحلمين به.
أسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويقوي قلبك، ويبارك في علمك وحفظك للقرآن، ويرزقك عملا نافعا ورزقا طيبا وزوجا صالحا، ويحفظك من الشرور والوساوس، ويجعلك من عباده الذين إذا ضاقت بهم الأسباب أحسنوا الظن به، وأخذوا بالأسباب، ولم يفقدوا الأمل في رحمته.