السؤال
السلام عليكم.
أنا فتاة أبلغ من العمر 19 سنة، أعيش في بيت عائلتي، أراسلكم وأنا أعيش في دوامة حادة من الاكتئاب، والرهاب الاجتماعي، والانعزال التام؛ بسبب أذى مستمر، وتفرقة واضحة أتعرض لها من طرف والدتي منذ طفولتي وحتى اليوم.
والدتي تعاملني باحتقار شديد مقارنة بإخوتي، وتدعو علي بالشر دائما دون سبب، أجد تفرقة في كل شيء، حتى في الطعام؛ حيث تخصهم بالأفضل، وتمنع عني ما أحب، وفي طفولتي ودراستي، كانت تمنع عني المصروف الكافي، ولم أكن أفطر بالبيت؛ لأن لدي حساسية من الحليب، وهو يسبب لي ألما، ولم تكن توفر لي البديل، بينما تعطي إخوتي ضعف المصروف، وبسبب الجوع الشديد في صغري، وعدم وجود ما آكله، اضطررت مستكرهة لأخذ (سرقة) بعض الأكل من المحل لأسد جوعي، وأنا أستغفر الله عن ذلك الآن، أرجو توجيهكم الشرعي، هل هناك كفارة لما مضى؟
ورغم أنني كنت دائما متفوقة في دراستي بشهادة أساتذتي، إلا أنها كانت تصرخ وتدعو علي كلما رأتني أدرس، وتثقل كاهلي بأعمال البيت حتى رسبت مرتين، وتوقفت.
ورغم كل هذا الأذى، أنا دائما بجانبها في مرضها، ومحنتها، وأحسن إليها، لكن في المقابل، كلما رأتني أحاول الاهتمام بنفسي؛ كالاستحمام، أو ممارسة الرياضة في البيت، تبدأ بالهجوم علي، والدعاء؛ وهذا الأمر سود قلبي، وجعلني أدخل في حالة رهاب اجتماعي قاسية؛ حيث فقدت القدرة على التواصل مع الناس، وأصبت بمشاكل صحية، وانعزلت تماما في غرفتي.
حاليا أحاول جاهدة الخروج من هذا الوضع، وأدرس أونلاين لأصبح معلمة قرآن، وأملك مهارات أخرى كالحجامة، ولكن الاكتئاب والرهاب يعطلان حياتي تماما.
والدي يسافر كثيرا، ولا يرى حجم الأذى، وهو ينصحني دائما ببرها، وأنا لا أخبره تفاديا لتدمير العلاقة بينهما، أو تشتيت العائلة.
أرجو منكم توجيهي طبيا ونفسيا: كيف أتعامل مع الاكتئاب والرهاب الاجتماعي، وأنا في نفس البيت مع مصدر الأذى؟ وكيف أستعيد ثقتي بنفسي لأعود لعملي ودراستي؟ وما هي الحدود الشرعية لبر أم تؤذيني لدرجة أنها دمرت صحتي النفسية؟
وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مريم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكر لك طلب الاستشارة من موقع إسلام ويب، ونقدر صبرك وحرصك على الإحسان إلى والدتك رغم ما تعانينه من أذى وتفرقة، وما مررت به قد يترك آثارا نفسية مؤلمة، لكنه لا ينتقص من قيمتك، ولا يعني أن مستقبلك قد انتهى.
من الناحية الطبية والنفسية: فإن استمرار الحزن والعزلة والخوف من التواصل، وتأثر دراستك وعملك، يستدعي طلب المساعدة المتخصصة، فلا تكتفي بمحاولة التحمل وحدك، وأنصحك بمراجعة أخصائية نفسية أو طبيب نفسي؛ لتقييم حالتك، وتحديد العلاج المناسب، سواء أكان نفسيا أم دوائيا عند الحاجة؛ فالاكتئاب والقلق الاجتماعي يمكن التعامل معهما، وطلب المساعدة ليس ضعفا ولا نقصا في الإيمان.
ابدئي بخطوات يومية بسيطة، كتنظيم النوم، والطعام، وممارسة رياضة المشي، وتقسيم المهام إلى أهداف صغيرة قابلة للتحقيق، وواجهي الخوف الاجتماعي بالتدرج، بدءا بمحادثة قصيرة مع شخص تثقين به، ثم توسيع دائرة التواصل، والعودة إلى الدراسة أو العمل بحسب قدرتك، وقد يساعدك العلاج المعرفي السلوكي على تخفيف القلق وتعزيز ثقتك بنفسك، ولا تجعلي تعثرك في بعض الأيام سببا لليأس؛ فالتعافي يحتاج إلى الوقت والاستمرار.
أما داخل المنزل: فحاولي تجنب الجدال وقت الغضب، وتقليل الاحتكاك بالمواقف المؤذية، مع المحافظة على احتياجاتك الأساسية، ولا تجعلي دعاء والدتك عليك دليل على أنك مخطئة، أو مستحقة للأذى، ويمكنك التحدث بهدوء مع والدك عن أثر ما تعانينه في صحتك ودراستك، طلبا للمساندة والإصلاح، والاستعانة بقريب حكيم، أو مستشار أسري عند الحاجة.
ومن الناحية الشرعية: فإن بر الوالدين واجب، لكنه لا يعني قبول الظلم، أو تعريض النفس للضرر، فأحسني إلى والدتك بما تستطيعين من قول طيب، ومساعدة مناسبة، مع تجنب المواقف المؤذية، ووضع حدود تحفظ سلامتك دون إساءة أو انتقام، وليس عليك مواجهة هذه الظروف وحدك، بل يجوز لك طلب المساعدة والاستعانة بمن يسعى إلى الإصلاح والحماية.
وبخصوص الطعام الذي أخذته في طفولتك بسبب الجوع:
فاستغفري الله إن كنت ترين أنك أخطأت، واستفتي عالما موثوقا يراعي تفاصيل ما حدث، وظروفك وقتها؛ لتعرفي ما يلزمك شرعا، دون تحميل نفسك ما لا يجب عليك.
وأخيرا: تذكري أن تفوقك السابق، وما لديك من مهارات دليل على قدرات يمكنك البناء عليها، فلا تلومي نفسك على ما فاتك من فرص، بل ابدئي بما تستطيعين اليوم.
نسأل الله أن يجبر خاطرك، ويخفف عنك، ويرزقك العافية والسكينة، ويفتح لك أبواب الخير.