السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مكتوب كتابي على رجل من أسرة غريبة، غير متدينة، وتدعي المثالية، وهم جهال في كل شيء حتى في أبسط تفاصيل الدين. الأسرة مكونة من 5 بنات، وأم، وولدين، كلهم تزوجوا باستثناء واحدة من البنات، وزوجي وأخوه هما من زوجا هذه البنات وزوجا أنفسهما، وليس لديهم أحد يعولهم.
أم زوجي امرأة مقتدرة، تقبض معاش زوجها، يقارب 10000 جنيه، وتفرض على أولادها أن يعطيها أحدهم 4500 جنيه، وزوجي 3000 جنيه، وليس لديه أحد يعوله، وتدخر أموالها، وتشتري بها الذهب وتكتنزها في البنوك.
المهم أن زوجي عليه ديون كثيرة، فهو لا يستطيع أن يتزوج ويصنع عرسا ويجهز شقة وفرشا ومصاريف كثيرة، وهي لا تراعي ده، تجبره على دفع 3000 جنيه، ويأتي كل يوم لها بالفواكه والعصير وما تشتهيه، وأنا لا أطلب منه شيئا كي لا تزيد الديون، وأمه لا تكف عن الطلبات.
تحدث معها أن تكف عن طلبات فوق مبلغ 3000، فأوقعت الدنيا فوق رأسه، وقالت: امرأتك هي من قالت، وصارت تتهمني في كل شيء، وتسبني أمام زوجي، وتقول له: أنا لم أقل لك أن تتزوج، أنا قبل كل شيء، وأنا لازم أن تبرني، وأنا وأنا، وأخذت تعظم في حقها، ونحن الديون دمرت حياتنا.
ثم إن زوجي يدفع وهو صامت، ويدفع الأذى عني، وقلوبهم ثقيلة جدا، لا يفرق معهم إلا المال، ولا يريدون غير المال، وسليطو اللسان، فهي وبناتها يتسلطون علينا بالشر في كل شيء، ويتدخلون في حياة إخوتهم بشكل افتراضي وغير طبيعي.
ولا أعلم ماذا أقول، حتى مفاهيم البر جعلوها تختلط علينا، أفتوني، أعزكم الله، ما الحل؟ وما هو مفهوم البر؟ وماذا نفعل في أم مقتدرة وابن مديون؟ وما حدود التعامل مع هؤلاء الناس بما يرضي الله لي ولزوجي؟ فهم يحرمون ما هو حلال، ويحللون ما هو حرام؟!
وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ أسماء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، وشكرا لك على حسن العرض للسؤال، ونسأل الله أن يهدي هذه الأم إلى ما يحبه ربنا ويرضاه، وأن يعين زوجك على القيام بما عليه، فإن العظيم الذي خلقنا -العدل الرحيم- هو الذي يقول: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}، ويقول: {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها}.
ونوصيك بالصبر على هذا الزوج، الذي أشرت إلى أنه يحاول أن يحميك من الأذى، وتذكري أنك متزوجة من هذا الرجل، ولا دخل لك بأمه، رغم قسوتها الشديدة ورغم الضرر الذي يلحق بك، فكوني سندا له وعونا، واعلمي أن إرضاء هذا الزوج، ومعاونته على ما يستطيع من البر سيكون مصدر خير لك وله ولأبنائكما، ونسأل الله أن يرزقكم الأبناء البررة عوضا عن هذا المجهود الذي يقوم به تجاه والدته.
ونحن نقدر الصعوبات التي تواجهكم، لكن كما قيل: من أجل عين تكرم ألف عين، فأنت بحاجة إلى أن تصبري من أجل هذا الزوج الوفي، الذي يجتهد في القيام بما عليه تجاهك وتجاه والدته، وعليه أن يعلم أن المطلوب هو أن يؤدي ما يستطيعه، وأن طلبات والدته بالطريقة المذكورة، التي تفوق الطاقة، ينبغي أن يداريها، ويلاطفها، ويفعل ما يستطيع، {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}.
فلذلك، الأمر يحتاج إلى حسن الكلام، وحسن المداراة معها، وصبر جميل عليها، والوعد اللطيف لها: إن شاء الله يا أمي، إذا صار كذا، وإذا حصلت على كذا، أبشري بالخير، ويفعل ما يستطيعه. ونتمنى أن تواصلي بالطريقة نفسها، فلا تتدخلي مباشرة، ولا تتكلمي حول هذه الموضوعات، واجعلي زوجك إذا أراد أن يواجه أخته ويواجه والدته هو الذي يتولى الأمر بنفسه، وأنت قومي بما عليك، احترميها لأنها أكبر سنا، واحترميها لأن احترامها يسر زوجك، وصبرك عليها أيضا مما يفرحه.
والزوج نوصيه بك خيرا، فعليه أن يبالغ في إكرامك، وأن يقدر لك هذا الصبر، وأن يقدر هذه الصعوبات التي تواجهك مع هذه الأم ومع هذه الأخت؛ لأن الزوجة تحتاج إلى دعم معنوي، وتحتاج إلى تشجيع. والبشارة له ولكل من يقوم بما عليه تجاه الوالد أو تجاه الوالدة، ومع ذلك لا يرضى الوالد أو لا ترضى الوالدة لشدة طمعها أو قسوتها، أو غير ذلك، نحن نريد أن نقول: عليه أن يستبشر بقول ربنا -تبارك وتعالى- بعد آيات البر: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} في سورة الإسراء، قال في ختامها: {ربكم أعلم بما في نفوسكم}، يعني من البر والرغبة في الإحسان، {إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا}.
وعليه ألا يبالي بأي إساءة تظهر من الوالدة، حتى لو دعت عليه، فإن هذا لا يضره، وعليه أن يعلم أن البر عبادة لله تبارك وتعالى، لا علاقة لها بإحسان الوالدة أو عدم إحسانها، ولا علاقة لها بتقصير الوالدة أو عدم تقصيرها؛ لأن الوالدة ستحاسب على ما تقوم به، والأبناء أيضا يحاسبون على ما يقومون به.
فعليه إذا أن يفعل ما يستطيعه، أما ما هو فوق طاقته فليس مجبرا عليه، لكن من المهم أن يكون كلامه طيبا، واعتذاره لطيفا، وصبره جميلا، وبذلك يخرج من الحرج.
ولا نريد أن يحدث جدال حول ما إذا كان هذا برا أو غير بر، لكن عليه أن يسمعها الكلام الطيب، ويصبر عليها، ويفعل ما يستطيعه، وأنت كوني عونا له بالتشجيع على برها، وهذا مهم؛ إذ لا بد أن تشعر أنك تساعدينه وتطالبينه ببرها، ولو كان ذلك عندما تأتي المناسبات، فتطالبينه بأن يبرها، حتى تصححي هذه الصورة لديها؛ لأنها الآن تظن أنك من حرضته، وأنك من حملته على التقصير.
والواضح أنك لا علاقة لك بكل هذا، وأن صعوبة هذه المرأة وطريقتها في التعامل تؤثران في ولدها، الذي هو زوجك، وفي بقية أبنائها وبناتها، وإذا لم نصبر نحن على الآباء والأمهات وكبار السن، فعلى من يكون الصبر؟!
ولا علاقة لهم بتحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، نحن مرة أخرى نقول: البر عبادة لله، هو يؤدي ما عليه، ويؤدي ما يستطيعه، {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}، فيقدم بقدر ما يستطيع، وبعد ذلك ما زاد عن هذا فلا حرج عليه ولا إثم عليه، ولا يعتبر عقوقا، ونسأل الله أن يفقهنا في الدين، وأن يعينكم على تجاوز هذه الصعاب، وأن يقدر لنا ولكم الخير ثم يرضيكم به.
وبالله التوفيق والسداد.