بين الصبر والألم: أرهقتني الحياة وأبحث عن الطمأنينة.. أرشدوني

0 3

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا إنسان مثل أي إنسان، أخطئ، لكنني ملتزم بصلاتي، وأجاهد أهوائي بما أستطيع، والله يعلم أنني لا أستطيع أن آكل وأعرف أن هناك أناسا جائعين دون أن أساعدهم بما أستطيع، خالصا لوجه الله تعالى، وبفضل الله، أجاهد نفسي باستمرار في الصدقة، وأحب تقديمها وأرغب في ذلك ابتغاء مرضاة الله، سواء أكانت لإنسان أم لحيوان.

يشهد الله أنني مثقل بالهموم، والديون، والفقر، والقهر، وقلة العمل، والمرض، ولا أعترض على حكم الله، لكنني إنسان ضعيف، وقد تعبت، فلست صحابيا، ولا نبيا حتى أتحمل كل هذا، وحتى في عملي، أقسم بالله أنني أجاهد نفسي ألا أكذب، حتى لو خسرت عميلا، أو مالا قد أحصل عليه، ابتغاء وجه الله أولا، وأدعو الله دائما، وأجاهد نفسي على الذكر باستمرار، وأعامل زوجتي وابني بما يرضي الله، لكنني أشعر بالعجز دائما بسبب ضيق الحال، حتى شعرت بأنني أصبحت بلا كرامة أمام ابني وزوجتي ونفسي.

أنا لا أكفر -حاشا لله- ولكن هل يرضى الله بحالي هذه؟ أقسم بالله إنني أريد أن أبكي كل ليلة من شدة القهر، ولم أتمن الغنى يوما، ولم أنظر يوما إلى مال أحد، ولكن كل ما أريده هو أن أكفي عائلتي، وأن أنام دون ذل الدين الذي أرهقني سنوات، ومنه دين إيجار البيت.

لو سمحتم، أريد ردا يطفئ النار التي بداخلي ويخفف عني هذا القهر، فأنا أعلم معنى الصبر وثوابه وعقاب عدم الصبر، وأعلم أن الله قد يمتحنني، لكنني أعلم أيضا أن ما أمر به قد يكون عقابا، ولا أعرف على ماذا، لقد أصبحت مرهقا، وأقسم برب العزة أنه لولا خوفي من جهنم لما ترددت في الانتحار، فشعور القهر قاتل، بل إنه أشد إيلاما من قهر الموت.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، وأن يجبر كسرك، وأن يفرج همك، وأن يقضي دينك، وأن يرزقك من واسع فضله.

أخي الكريم، ظهر في كلامك حرصك على الصلاة، ومجاهدة النفس، والصدق في العمل، والإحسان إلى المحتاجين، ورغبتك في إعفاف أسرتك وصون كرامتها، وهذه أبواب خير عظيمة؛ فلا تحتقر ما تبذله من طاعة وإحسان وإن ضاقت عليك الدنيا.

أخي الكريم، بداية أوصيك ألا تجعل البلاء دليلا على غضب الله تعالى منك؛ فلا أحد يستطيع الجزم بأن ما أصابك عقوبة بسبب ذنب معين، كما لا يعني تأخر الفرج أن الله تعالى لا يحبك أو لم يقبل طاعتك، فالدنيا دار ابتلاء للمؤمن وغيره، وقد يبتلى الصالح بأشد مما يطيق تصوره.

وليس معيار رضا الله تعالى عن العبد مقدار ما يملكه من مال، قال الله تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين} [البقرة: 155]. فلا تجعل احتمال كون البلاء تكفيرا للذنوب، أو رفعا للدرجات سببا لإهمال التوبة، بل تب إلى الله تعالى من كل ما تعلم من تقصير، وأحسن الظن به، وواصل الأخذ بأسباب الرزق والفرج.

ثم تذكر الأجر المترتب على الهم والغم والصبر، قال ﷺ: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه [متفق عليه]. وقال ﷺ: عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له [رواه مسلم].

فتعبك وهمك ليسا بالضرورة ضائعين عند الله تعالى، وما تعانيه من قهر وضيق لا يخفى عليه سبحانه. لكن الصبر لا يعني ألا تحزن أو تبكي أو تطلب المساعدة؛ إنما يعني ألا تيأس من رحمة الله سبحانه، وألا تحملك الشدة على الحرام أو ظلم نفسك أو القنوط من الفرج.

وهذه الدنيا -أخي الكريم- مهما طالت فانية، وكل بلاء دون الجنة يزول، وكل تعب يعقبه نعيم الآخرة لمن أكرمه الله تعالى برحمته، قال تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر: 10]. وليس معنى ذلك أن تتمنى الموت أو تتوقف عن طلب الفرج، بل أن تستمد من يقينك بالآخرة قوة تعينك على مواصلة الحياة والعمل.

أخي الكريم: لا تربط كرامتك بقدرتك المالية وحدها؛ فأنا أفهم وجعك حين تعجز عن توفير ما تحتاج إليه أسرتك، وخاصة حين يتعلق الأمر بإيجار البيت والديون، لكنك لست بلا كرامة لأنك فقير أو متعثر؛ كرامتك ليست في حجم دخلك، بل في إنسانيتك، وأمانتك، وسعيك، ورحمتك بأهلك. وابنك يحتاج إلى وجود أبيه وحنانه وأمانه كما يحتاج إلى النفقة، فلا تحرم نفسك وأهلك من وجودك بسبب شعورك بالعجز.

وهنا اسمح لي أن أقترح عليك خطوات عملية للخروج من دائرة الضيق بعون الله تعالى وتوفيقه:

• لا تواجه الهم وحدك: تحدث مع زوجتك أو شخص حكيم تثق به، واطلب منه مساندتك عمليا ونفسيا، ولا تجعل الخجل من الظروف يحرمك من المساعدة.
• رتب الديون على الورق: اكتب المبالغ المستحقة ومواعيدها، وابدأ بإيجار البيت والاحتياجات الأساسية، وتواصل مع المؤجر والدائنين مبكرا لطلب مهلة أو تقسيط واقعي، بدلا من أن تتراكم المطالبات دون اتفاق.
• ابحث عن أبواب المساعدة: إن كنت مستحقا، فتواصل مع الجمعيات الخيرية والجهات المعتمدة لمساعدة المتعثرين وسداد الديون، واسأل عن دعم الإيجار والغذاء والعلاج؛ فطلب المساعدة عند الحاجة ليس عيبا ولا ينافي التوكل.
• وسع خيارات العمل دون التفريط في الحلال: ابحث عن فرص إضافية أو مؤقتة مناسبة لقدرتك، واستعن بمعارفك في الوصول إلى عمل، وراجع مصروفات الأسرة مع زوجتك بهدوء. ولا تقع الكذب أو الكسب المحرم تحت ضغط الحاجة؛ فاطلب الرزق الحلال، واستفت عالما موثوقا فيما يشتبه عليك من مصادر الدخل.
• حافظ على أسباب السكينة: واظب على الصلاة والذكر والدعاء، وخذ قسطا من النوم والراحة، وامش يوميا إن استطعت، وإذا استمر الحزن الشديد وأثر في نومك وعملك وقدرتك على الاحتمال، فاطلب دعما نفسيا متخصصا؛ فهذا من الأخذ بالأسباب وليس ضعفا في الإيمان.

وأخيرا -أخي الكريم- هناك أمر لا أريد أن يمر دون التنبيه عليه: وهو قولك إنك لولا خوفك من جهنم ربما أقدمت على الانتحار، فصحيح أن الألم بلغ بك مبلغه، لكن حياتك أمانة ولا يجوز التصرف فيها وفق رغبتك.

أسأل الله تعالى أن يبدل عسرك يسرا، وخوفك أمنا، وحزنك سكينة، وأن يقضي دينك، ويبارك في رزقك، ويحفظ زوجتك وابنك، ويجعل لك من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ويرزقك من الصبر ما يقويك، ومن الفرج ما يجبر قلبك، ومن نعيم الآخرة ما ينسيك كل تعب مررت به.

وبالله التوفيق والسداد.

مواد ذات صلة

الاستشارات