السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أمي لم توافق على زواجي والسكن في بيت العائلة، والآن تمنع أخواتي من المجيء لزيارتي، علما بأنني حامل ومريضة، كما تمنع أبي من إحضاري بسيارته، وكذلك أخي، علما بأنها متدينة وتقرأ القرآن، وتهددني بأنها ستخرب بيتي، وأنها ستصل إلى زوجي وأمه.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ بشرى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أختنا الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يلهمنا وإياك السداد والرشد في القول والعمل.
أختنا الكريمة، لا شك أن طاعة الوالدين وبرهما من أعظم القربات إلى الله تعالى، ومن أوجب الواجبات في شريعتنا، إلا أن هذه الطاعة مقيدة بالمعروف شرعا؛ لقول النبي ﷺ: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقوله: إنما الطاعة في المعروف، فإذا أمر الوالد أو الوالدة بظلم، أو قطيعة رحم، أو السعي في إفساد العلاقة الزوجية المستقرة، فلا تجب طاعتهما في هذا الأمر بعينه؛ لأن الله تعالى لا يرضى بالظلم والفساد.
وعدم الطاعة هنا لا يعني أبدا الإساءة إليهما أو عقوقهما، بل تجب مخالفتهما في خصوص الأمر الجائر، مع الالتزام بالأدب التام، والبقاء على الإحسان والبر والصلة؛ لقوله جل وعز: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾، فأمر بحسن الصحبة مع وجود المخالفة.
وبناء على هذا، ننصحك أختي الفاضلة بالتالي:
•• أولا: بما أن الزواج قد تم وانعقد، وأنت الآن في بيت زوجك وحامل منه، فإن علاقتك الزوجية أصبحت ميثاقا غليظا يجب الحفاظ عليه وحمايته، ولا يحق لوالدتك شرعا التدخل لإفساد هذا البيت أو التهديد بتخريبه، أو الاتصال بزوجك وأهله لإثارة المشاكل؛ إذ إن هذا نوع من التخبيب، وهو إفساد المرأة على زوجها، وهو أمر محرم ومن كبائر الذنوب، ولا يسقط إثمه عن الوالدة لمجرد كونها أما، جاء في الحديث: ليس منا من خبب امرأة على زوجها أو عبدا على سيده.
•• ثانيا: منع الوالدة لأخواتك وأبيك وأخيك من زيارتك أو مساعدتك وأنت مريضة وحامل هو نوع من السعي في قطيعة الرحم والإضرار بك، وهو أمر يخالف الشرع ومقاصد الدين الحنيف الذي يدعو إلى صلة الأرحام، ولذلك لا يجب على أبيك أو أخيك أو أخواتك طاعتها في هذا المنع الجائر، بل عليهم صلتك ومساعدتك بالمعروف، مع حرصهم على مداراة الوالدة وتجنب إثارة غضبها قدر الإمكان.
•• ثالثا: بالنسبة إلى موقف والدتك، فما تفعله يجمع بين التناقض والخطأ؛ فالإنسان المتدين القارئ للقرآن يجب أن يكون وقافا عند حدود الله، رحيما بأولاده، حريصا على صلة الأرحام وبناء البيوت لا هدمها، لذا فإن التدين الحقيقي يتطلب منها مراجعة نفسها وترك الخصومة.
أختي الفاضلة، لعل كل هذه التصرفات من أمك ناتجة عن غضبها من زواجك دون موافقتها، ولم توضحي هل كان هذا الزواج برضا وليك -الأب- أو من يقوم مقامه أم لا، وما سبب عدم هذه الموافقة؟ فموافقة ولي الأمر ووجوده شرطان أساسيان لصحة عقد الزواج وفقا لجمهور فقهاء المسلمين، وقد قال ﷺ: لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل.
أخيرا أختي الفاضلة، بعد كل هذا نوصيك ببعض الأمور:
• التزام الهدوء والصبر، وتجنب الدخول في مشاحنات مباشرة مع والدتك، وحاولي دائما إرسال رسائل الود والبر إليها بالاتصال أو الهدية.
• الاستعانة برجل عاقل أو امرأة حكيمة ممن تحترمهم والدتك وتقبل قولهم، كخالك أو أحد محارمك أو إمام مسجد تثق به؛ ليتحدث معها بلطف، ويذكرها بحدود الله تعالى، ويبين لها أن خطوتها قد تؤدي إلى إثم قطيعة الرحم وظلم ابنتها المريضة.
• التحدث مع زوجك وتوعيته بلطف وطمأنته؛ حتى إذا ما حاولت الوالدة الاتصال به أو بأمه، يكون على دراية بطبيعة الوضع النفسي والظرف المحيط، فلا تؤثر اتصالاتها على استقرار بيتك.
أختي الفاضلة، الجئي إلى الله تعالى بالدعاء في أوقات الإجابة، واسأليه أن يهدئ قلب والدتك، ويشرح صدرها للحق، ويزيل ما في نفسها من عتب أو غضب، وأكثري من الأعمال الصالحة والصدقة والسعي الحثيث إلى كل أبواب البر في كل وقت؛ فهذا مما يعين على تليين القلوب وإزالة الشحناء.
وفقك الله ويسر أمرك.