هل أخطأنا عندما بالغنا في مساعدة ابني الذي يعاني من إعاقة حركية؟

0 2

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لدي ابن يبلغ من العمر 14 سنة، يعاني من إعاقة حركية منذ ولادته، ومنذ صغره اعتدنا نحن أفراد الأسرة أن نقوم بخدمته في جميع أموره اليومية، بداية من ارتداء الملابس وحتى ترتيب أغراضه الخاصة، وكنا نظن أننا بذلك نريحه ونخفف عنه معاناته، لكننا بدأنا نلاحظ في الفترة الأخيرة أنه يرفض القيام بأي عمل بنفسه، حتى وإن كان قادرا عليه، وينتظر دائما من يساعده، كما أصبح سريع الغضب إذا طلبنا منه أن يعتمد على نفسه في بعض الأمور البسيطة.

أشعر أنا ووالده بالحيرة؛ فهل أخطأنا عندما بالغنا في مساعدته؟ وكيف يمكننا تشجيعه على الاستقلالية دون أن يشعر أننا تخلينا عنه أو قللنا من اهتمامنا به؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سارة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أختنا وابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لك الاهتمام والحرص على السؤال، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يهدي هذا الابن لما يحبه ربنا ويرضاه.

ونحب أن نؤكد بداية أن الذين عندهم إعاقات لديهم قدرات مختلفة، والكريم الخالق العظيم إذا أخذ شيئا عوض بأشياء، ولذلك فالمنهج الصحيح في التعامل مع الذين عندهم إعاقات، أو حتى عندهم طيف توحد أو نحو ذلك، هو أن نجتهد في أن يعتادوا القيام بما يستطيعونه خدمة لأنفسهم أو خدمة لغيرهم، ونحن نقوم بخدمتهم في الجانب الذي يحتاجون فيه إلى أن نكون إلى جوارهم أو نعاونهم فيه.

هذا هو المبسط الصحيح، بل هو قبس من هدي النبي ﷺ الذي استخدم أصحاب الإعاقات أيا كانت نوعها؛ فابن أم مكتوم لا يبصر، ولكنه مؤذن، بل يعتمد الناس على أذانه: كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم [متفق عليه]، واستخلفه النبي ﷺ على المدينة.

ومن مصلحة الطفل الذي لديه نوع من الإعاقة تعويده القيام ببعض المهام في خدمة نفسه وفي خدمة من حوله من أهل المنزل، وهذا ينمي عنده الثقة بنفسه، ويؤهله للقيام ببعض الوظائف، والدولة تهتم بتوظيف أصحاب الاحتياجات الخاصة، وقد أثبتوا قدرات عالية في تنفيذ كثير من المهام في الوزارات والمؤسسات، فهم أصحاب قدرات، وربنا العظيم إذا أخذ شيئا عوض بأشياء -كما ذكرنا-، ونسأل الله أن يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى.

وهذا نمط في سائر الصور التربوية؛ حتى بالنسبة للأيتام، اعتدنا أن ندللهم ونخدمهم ونشفق عليهم أكثر من المطلوب، فينشأون مدللين، ولكن ينبغي أن يكون لهم دور؛ فالحياة أخذ وعطاء، وهذا هو الذي شعرتم به بعد هذه المدة، وأرجو ألا تيأسوا.

لكن من المهم جدا أن يكون تدريب هذا الابن المذكور على بعض المهام بطريقة تدريجية، وبطريقة يسبقها إقناع، وأحسن من ذلك أيضا أن تطالبوه بأن يقوم ببعض المهام، إذا استطاع مثلا أن يقوم ببعض المهام الأخرى، كمراقبة أشياء أو مساعدتكم بأشياء أخرى، وأنتم تساعدونه؛ لأن المهم هو أن ندرك المعنى الذي أشرنا إليه.

فبعضهم مثلا عنده إعاقات حركية، فلا يستطيع أن يتحرك، لكن قوته في يديه، أو في عقله، أو في تذكره، أو في مهارات ينبغي أن نكتشفها ونستفيد منها، فيفيدنا ويفيد نفسه، بل نحن لا نريد أن يقتصر الأمر على أن يخدم نفسه في بعض الأمور، بل أن يخدم البيت أيضا في بعض المهام الأخرى التي يمكن أن يقوم بها، مثل مساعدة إخوانه وأهل البيت، وهذا هو المعنى المهم، وله أثر كبير جدا -إن شاء الله- في إعادة الثقة إلى نفسه، فيشعر أنه يستطيع أن يفعل الكثير.

وبالطبع، فإن سرعة غضبه وعدم رضاه يرجعان إلى أنكم تحاولون الانسحاب فجأة، وهذا الانسحاب ينبغي أن يكون بالتدريج، وأن يكون تعويده على القيام ببعض المهام أيضا بطريقة غير مباشرة: لو سمحت، افعل لي كذا، لو سمحت، رتب هذه الأشياء، وتضعوا الأشياء أمامه على الطاولة، لو سمحت، ساعدنا بـ...؛ أي مساعدة وأي نوع من الأشياء التي يستطيع أن يقوم بها.

ولا داعي للحيرة -إن شاء الله- فهذا الأمر قد يحتاج فعلا إلى بعض الوقت، لكنه ليس صعبا، ويكون ذلك بتشجيعه على -لا أقول الاستقلالية الكاملة، ولكن- الاستقلالية فيما يستطيع أن يفعله، ثم نطالبه بأن يساعدنا بالأشياء والمهام التي يمكن أن يجيدها، ثم بعد ذلك نقوم نحن بمساعدته، فكما يساعدنا نساعده، وهذا المعنى من المعاني الكبيرة المهمة.

وإذا تمادى أيضا، فلا ينبغي أن تلبى له الطلبات بطريقة فورية، وإنما حتى يشعر أن الناس أيضا مشغولون، وأن القيام بهذه المهام ليس سهلا، وأن الإنسان ينبغي أن يعين ويعاون، وهذا هو المعنى الذي نريد أن نوصله إلى ابننا، الذي نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يحفظه.

وأعتقد أن العصبية سببها أنه اعتاد أن يعيش ملكا مخدوما، والآن تطالبونه ببعض الأشياء، وهذا طبعا حق لكم، ولكن ينبغي أن يكون ذلك بالتدرج، لا بين يوم وليلة، وإنما مع الإقناع والشكر والثناء: ما شاء الله، اليوم ساعدنا في كذا، وإذا أردتم أن يكون الشيء مضبوطا، فأعطوه لفلان ليرتب لكم الأوراق، أو الدفاتر، أو يحدد لكم النقاط المهمة، يعني بعض المهام التي لا تحتاج إلى أن يتحرك الإنسان، ولكنها توضع أمامه ثم يرتبها، أو يضع بعض الأشياء التي نحتاجها وتأخذ منا وقتا.

نسأل الله أن يعيننا وإياكم على الخير، وأن يصلح نياتنا وذرياتنا، ولا تغضبوا عليه ولا تشعروا أنفسكم بالندم، ولكن الإنسان يتعلم من الحياة ويصحح طرائقه؛ إذ إنه يدخل مرحلة جديدة أيضا، وهذه لها علاقة بسرعة الغضب وربما زيادة العناد، ولكن المراهقة أيضا ميلاد جديد وفرصة لبناء قدرات عالية وجوانب مهمة.

نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.

مواد ذات صلة

الاستشارات