ابني شاب من ذوي الاحتياجات الخاصة، فهل الحماية الزائدة له تضر به؟

0 6

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ابني شاب من ذوي الإعاقة، وأعترف بأنني كنت شديد الخوف عليه منذ طفولته، كنت أمنعه من الذهاب مع أصدقائه أو تجربة أي نشاط جديد، خشية أن يتعرض للأذى أو الإحراج.

ومع مرور السنوات، أصبح مترددا في كل شيء، ويخشى اتخاذ القرارات بنفسه، بل إنه يطلب مني التدخل في أمور يستطيع القيام بها، ومؤخرا، أخبرني أحد المختصين أن أسلوب الحماية الزائدة قد يكون سببا في ضعف شخصيته، وقلة ثقته بنفسه، الأمر الذي جعلني أشعر بالقلق والتقصير.

فهل صحيح أن الخوف الزائد على الابن قد يسبب له ضررا نفسيا؟ وكيف يمكنني تعديل أسلوبي معه بعد هذه السنوات الطويلة؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ صالح حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يبارك لك في ابنك، وأن يعينك على حسن رعايته وتربيته، وأن يرزقه الثقة بنفسه والقدرة على تدبير شؤونه.

أخي الكريم، إن خوفك على ابنك مفهوم، ولا سيما أن الإعاقة قد تجعل الوالد أكثر إحساسا بمسؤوليته، وأشد خشية من أن يتعرض ابنه للأذى أو السخرية أو الاستغلال، غير أن المحبة -على صدقها- قد تخطئ طريقها حين تتحول من حماية الإنسان إلى حمايته من الحياة نفسها؛ فينشأ آمنا من بعض المخاطر، لكنه محروم من الخبرات التي تصنع ثقته بنفسه، وتعلمه مواجهة الصعوبات، وتمنحه الشعور بأنه قادر على الاختيار والإنجاز.

والقضية هنا أعمق من مجرد تعديل بعض التصرفات التربوية؛ لأنها تتصل بنظرتنا إلى الإعاقة، وبالفرق بين أن نرعى الإنسان ليعيش بكرامة واستقلال، وأن نجعل حاجته إلى المساعدة سببا في استمرار تبعيته لنا.

ونود أن نوضح لك جملة من المعاني التي تعينك على فهم المشكلة ومعالجتها:

• أولا: الإعاقة لا تنتقص من كرامة الإنسان ولا من قيمته عند الله؛ فالكرامة الإنسانية أصل ثابت لا يرتبط بقوة الجسد أو سلامة الحواس أو القدرة على أداء الأعمال بالطريقة المعتادة، قال تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم} [الإسراء: 70]، وقال سبحانه: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13].

وقد عاتب الله نبيه ﷺ في شأن عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه، وهو رجل أعمى جاء يطلب الهداية والعلم، فأنزل سبحانه: {عبس وتولى * أن جاءه الأعمى} [عبس: 1-2]، وفي هذا تأكيد عظيم لمكانة الإنسان وحقه في الاهتمام والتعليم، وألا تكون إعاقته سببا في تهميشه أو التقليل من شأنه.

ومن هنا ينبغي أن تنظر إلى ابنك باعتباره إنسانا له شخصية ورغبات وقدرات وحقوق، لا باعتباره إعاقة تحتاج إلى الحراسة الدائمة؛ فالإعاقة جانب من حال الإنسان، وليست تعريفا شاملا لهويته أو حكما مسبقا على مستقبله.

• ثانيا: يجب التمييز بين الرعاية والوصاية؛ فالرعاية تعني تقديم ما يحتاج إليه الابن من مساعدة حتى يتمكن من ممارسة حياته، أما الوصاية الزائدة فتعني اتخاذ القرارات نيابة عنه حتى في الأمور التي يستطيع فهمها والتصرف فيها، وقد قررت الشريعة أن المسؤولية مرتبطة بالقدرة والاستطاعة، قال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286]، وقال سبحانه: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16].

وهذا يقتضي مراعاة حدود قدرة الإنسان دون أن نجعل ما يعجز عنه حجة لمنعه مما يستطيع؛ فليس من العدل أن نطالب الابن بما يتجاوز إمكاناته، كما ليس من العدل أن نحرمه من ممارسة حقوقه وقدراته لمجرد حاجته إلى المساعدة في بعض الجوانب.

• ثالثا: نعم، قد تسهم الحماية الزائدة في إضعاف الثقة بالنفس وتنمية التردد والخوف من اتخاذ القرار؛ لأن الإنسان يتعلم قدرته من خلال التجربة، ويكتسب مهاراته بمواجهة المواقف، ويتعلم من أخطائه بقدر ما يتعلم من نجاحاته. فإذا اعتاد الابن أن والده يختار عنه، ويتحدث نيابة عنه، ويمنعه من التجارب الجديدة، ويتدخل لإنقاذه من كل صعوبة، فقد تتكون لديه قناعة بأنه غير قادر على إدارة شؤونه دون مساعدة، والأشد أثرا أن تتحول هذه القناعة إلى جزء من صورته عن نفسه؛ فلا يعود يسأل: كيف أستطيع أن أفعل هذا؟ وإنما يسأل: من الذي سيفعله بدلا مني؟

لكننا ننبه إلى أن ضعف الثقة بالنفس لا يلزم أن يكون ناشئا عن الحماية الزائدة وحدها؛ فقد تسهم فيه طبيعة الإعاقة، أو تجارب التنمر والرفض الاجتماعي، أو قلة الفرص التعليمية، أو غياب التهيئة المناسبة، ولذلك لا يصح تحميل نفسك المسؤولية الكاملة دون معرفة هذه العوامل.

• رابعا: من المهم أن ندرك أن الأشخاص ذوي الإعاقة ليسوا فئة واحدة في قدراتهم واحتياجاتهم؛ فالإعاقة الحركية تختلف عن السمعية والبصرية والذهنية، وقد تتفاوت الاحتياجات كثيرا بين شخص وآخر داخل النوع الواحد، فمن كانت إعاقته حركية قد يحتاج إلى تهيئة المكان ووسائل التنقل، لكنه يستطيع اتخاذ قراراته باستقلال كامل، ومن كانت إعاقته بصرية أو سمعية قد يحتاج إلى وسائل مناسبة للتواصل والوصول إلى المعلومات، دون أن يعني ذلك ضعفا في تفكيره أو قدرته على الاختيار.

أما من لديه إعاقة ذهنية تؤثر في فهم بعض الأمور وتقدير عواقبها، فقد يحتاج إلى مستويات متفاوتة من المساندة والإشراف، مع ضرورة تمكينه من اتخاذ ما يستطيع من قرارات، ومن الأخطاء التربوية الشائعة أن نخلط بين الحاجة إلى المساعدة الجسدية والحاجة إلى اتخاذ القرار؛ فقد يحتاج الإنسان إلى من يعينه على أداء عمل، لكنه لا يحتاج إلى من يقرر عنه هل يريد أداءه أو كيف يفضله.

• خامسا: ينبغي أن تنتبه إلى أن استقلال ابنك لا يعني بالضرورة أن يفعل كل شيء وحده؛ فالاستقلال الحقيقي هو أن يمتلك، بقدر استطاعته، حق الاختيار والتعبير عن رغباته والمشاركة في القرارات المتعلقة بحياته، ولو احتاج إلى مساعدة الآخرين في تنفيذ بعضها. فقد يكون من الاستقلال أن يختار نشاطه، أو يحدد احتياجاته، أو يدير ماله بحسب قدرته، أو يقرر مع من يصاحب، أو يعبر عن رأيه في دراسته وعمله ومستقبله، وهنا يتغير دورك من الشخص الذي يدير حياة ابنه إلى الشخص الذي يسانده في إدارة حياته.

• سادسا: من المهم ألا يتحول خوفك من نظرة المجتمع إلى سبب في عزلة ابنك؛ فبعض الأسر تمنع أبناءها ذوي الإعاقة من المشاركة الاجتماعية خشية تعرضهم للإحراج أو السخرية، لكنها بذلك قد تحرمهم فرص تكوين الصداقات واكتساب المهارات والشعور بالانتماء.

والأصل أن نعالج البيئة المؤذية، لا أن نعاقب الابن بالعزلة بسبب ما قد يصدر من الآخرين، وقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم} [الحجرات: 11]، فالمشكلة فيمن يسخر ويحتقر، وليست في الإنسان الذي يعيش بإعاقة. ولهذا ننصحك بتشجيعه على المشاركة في الأنشطة المناسبة لقدراته واهتماماته، وإتاحة فرص التواصل مع أقرانه، ومنهم أشخاص ذوو إعاقة استطاعوا بناء حياة مستقلة وفاعلة؛ فإن رؤية التجارب الناجحة قد توسع تصوره لما يستطيع تحقيقه.

• سابعا: من الضروري أن تراجع طريقة حديثك معه؛ فالكلمات التي يسمعها الابن باستمرار قد تصبح مع الوقت الصورة التي يرى بها نفسه، فبدلا من قولك: أنت لا تستطيع، أو أخشى أن تفشل، أو دعني أفعل ذلك عنك، حاول أن تقول: كيف ترى أن نبدأ؟ وما المساعدة التي تحتاج إليها؟ وهل ترغب في أن تجرب بنفسك؟ ولا تجعل التشجيع مجرد ثناء عاطفي؛ بل اربطه بإنجازاته الحقيقية، ولو كانت صغيرة، حتى يتعلم أن ثقته بنفسه تنشأ من خبراته وقدراته، لا من مجاملة الآخرين له.

• ثامنا: نرى أن تبدأ معه حوارا صريحا يعيد بناء العلاقة بينكما على أساس الثقة؛ أخبره أنك كنت تخاف عليه كثيرا، وأنك أدركت أن بعض تدخلاتك ربما حرمته فرصا كان يحتاج إليها، وأنك تريد أن تمنحه مساحة أكبر للاختيار. ومن المهم أن تستمع إلى رأيه في هذا الأمر؛ فقد تكون لديه رغبات مؤجلة لم تتح له فرصة التعبير عنها، أو مواقف شعر فيها أنك لم تثق بقدرته، ولا تجعل الحديث محاكمة لنفسك أو له، وإنما اجعله بداية اتفاق جديد يحترم شخصيته ويحدد نوع المساعدة التي يحتاج إليها بالفعل.

• تاسعا: ابدأ بخطة تدريجية للاستقلال، تقوم على اختيار بعض المسؤوليات المناسبة لقدراته، ثم ترك مساحة له لإنجازها، مع تقديم المساعدة عند الحاجة. فإذا كان يستطيع تدبير مشترياته، أو تنظيم مواعيده، أو التواصل مع الآخرين، أو اتخاذ قرارات تتعلق بشؤونه اليومية، فامنحه الفرصة لذلك، وإذا احتاج إلى تدريب أو وسائل مساعدة، فاعمل على توفيرها بدلا من القيام بالمهمة نيابة عنه.

وعندما يخطئ، لا تتعجل التدخل لتصحيح كل شيء؛ لأن الخطأ الذي يمكن تداركه قد يكون فرصة للتعلم، أما المواقف التي تنطوي على خطر حقيقي، فتحتاج إلى احتياطات تتناسب مع طبيعة الخطر وقدراته، وهكذا يتحقق التوازن بين الحماية الضرورية والاستقلال الممكن.

• عاشرا: لا ينبغي أن يصبح نجاح ابنك في الاستقلال مشروطا بأن يصل إلى المستوى نفسه الذي يصل إليه غيره؛ فلكل إنسان قدراته وظروفه، والمقياس الأعدل هو مقدار ما يتقدم فيه قياسا إلى إمكاناته وخبراته السابقة، وقد قال النبي ﷺ: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز (رواه مسلم). ومن أعظم ما ينفع ابنك أن يتعلم كيف يستخدم قدراته، ويطلب المساعدة حين يحتاج إليها دون شعور بالنقص، ويرفض ما لا يناسبه، ويدافع عن حقوقه بالأسلوب الذي يستطيع.

• الحادي عشر: لا تهمل حق ابنك في التعليم والعمل والعلاقات الاجتماعية وبناء مستقبله؛ فالأشخاص ذوو الإعاقة يحتاجون، مثل غيرهم، إلى الشعور بأن لحياتهم أهدافا وإنجازات، وأن لهم مكانا في الأسرة والمجتمع، ولا ينبغي أن تختزل الأسرة مستقبل ابنها في توفير الطعام والعلاج والمأوى؛ فهذه احتياجات أساسية، لكنها لا تغني عن حاجته إلى الاحترام والمشاركة وتحقيق الذات. وإذا كانت قدراته تسمح بالتعليم أو التدريب المهني أو العمل المناسب، فساعده على استكشاف هذه الفرص، ولا تجعل الخوف من الفشل سببا في إغلاقها قبل تجربتها.

• الثاني عشر: ننصحك بالاستعانة بمختص لديه خبرة بطبيعة إعاقة ابنك، ليس لتصنيف شخصيته أو الحكم على مستقبله، وإنما لتقدير قدراته الحالية، ومعرفة المهارات التي يمكن تنميتها، ووضع خطوات عملية تشارك فيها الأسرة والابن نفسه. ومن المهم أن يكون ابنك طرفا أصيلا في هذه الخطة، وأن تؤخذ رغباته وأهدافه في الاعتبار، فلا نكرر باسم التأهيل الخطأ نفسه الذي وقع باسم الحماية، وهو اتخاذ جميع القرارات نيابة عنه.

ختاما، نريدك أن تتأمل معنى تربويا مهما: إن من تمام الرحمة أن نعين من نحب على الاستغناء عنا فيما يستطيع، لا أن نجعل محبتنا سببا في دوام حاجته إلينا؛ فالأبوة ليست أن تظل ممسكا بيد ابنك في كل خطوة، وإنما أن تمنحه من المعرفة والثقة والخبرة ما يعينه على السير بقدر استطاعته، مع بقائك سندا له حين يحتاج إليك.

ولا نرى أن تنشغل كثيرا بتأنيب نفسك على السنوات الماضية؛ فالماضي موضع اعتبار وتصحيح، وليس موضع إقامة دائمة في الندم، وقد يكون إدراكك اليوم لأثر الحماية الزائدة بداية تحول كبير في حياة ابنك، إذا ترجمته إلى ثقة حقيقية، وفرص متدرجة، ومساندة تحترم إرادته وقدراته. فاجعل هدفك ألا يعيش ابنك محميا من كل تجربة، وإنما أن يعيش قادرا على مواجهة ما يستطيع من تجارب الحياة، آمنا في كرامته، واثقا بأن إعاقته لا تسلبه حقه في الاختيار والمشاركة والإنجاز.

نسأل الله أن يبارك لك في ابنك، وأن يفتح له أبواب الخير والتوفيق، ويرزقه قوة النفس والثقة والسكينة، وأن يعينك على رعايته بما يحفظ كرامته وينمي قدراته، وأن يجعل محبتك له عونا على استقلاله ونجاحه، وأن يكتب لكما الأجر والرضا وحسن العاقبة، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات