السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لدي ابن من ذوي الإعاقة، في أواخر مرحلة المراهقة، وكلما تقدم بنا العمر، أنا ووالدته، ازداد قلقنا على مستقبله، فهو يعتمد علينا في كثير من شؤونه، ولا نعلم كيف ستكون حياته إذا فقدنا القدرة على رعايته أو سبقناه إلى الآخرة!
نحاول أن نوفر له كل ما يحتاج إليه، لكننا نشعر بأننا لم نضع خطة واضحة لمستقبله، أو لمساعدته على تحمل المسؤولية وإدارة حياته بشكل أفضل، ويلازمني هذا التفكير باستمرار، وأشعر بقلق كبير كلما نظرت إلى السنوات القادمة.
فما هي الأمور التي ينبغي للأسرة الاهتمام بها منذ الآن؛ لضمان مستقبل أكثر استقرارا وطمأنينة لابننا من ذوي الإعاقة؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يبارك لك في ابنك، وأن يطمئن قلبك وقلب والدته عليه، وأن يهيئ له أسباب الرعاية والاستقرار، ويجعله قرة عين لكما في الدنيا والآخرة.
أخي الكريم: قلق الوالدين على مستقبل ابنهما من ذوي الإعاقة شعور مفهوم، ولا سيما حين يتقدمان في العمر، ويخشيان أن يأتي يوم لا يستطيعان فيه مواصلة رعايته، غير أن هذا القلق ينبغي أن يتحول من الخوف مما قد يحدث إلى الاستعداد لما يمكن فعله؛ فالمستقبل لا تؤمنه كثرة المخاوف، وإنما يحسن الاستعداد له بتنمية قدرات الابن، وتنظيم حقوقه، وبناء شبكة من العلاقات والمساندة تضمن له حياة كريمة بقدر الإمكان.
ونود أن نوضح لك جملة من المعاني والتوجيهات:
•• أولا: ينبغي أن ننطلق من النظرة الشرعية الصحيحة إلى الإعاقة؛ فهي لا تنتقص من كرامة الإنسان، ولا تسلبه حقه في الاحترام والمشاركة والاستقلال، قال تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم}، وقال سبحانه: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}. وقد عاتب الله نبيه ﷺ في شأن عبد الله بن أم مكتوم -رضي الله عنه- وهو رجل أعمى جاء يطلب العلم والهداية، فأنزل سبحانه: {عبس وتولىٰ * أن جاءه الأعمى}، وفي ذلك تأكيد لمكانة الإنسان وحقه في الاهتمام، وألا تكون إعاقته سببا في تهميشه.
ومن هنا، ينبغي ألا تنظر إلى ابنك باعتباره شخصا يحتاج إلى الرعاية فحسب، وإنما إنسانا له قدرات ورغبات وحقوق ومستقبل ينبغي أن يشارك في بنائه.
•• ثانيا: من المهم التمييز بين الإعاقة والعجز؛ فالأشخاص ذوو الإعاقة ليسوا فئة واحدة، ولا تتساوى احتياجاتهم؛ فقد يحتاج صاحب الإعاقة الحركية إلى مساعدة في التنقل مع تمتعه بالقدرة الكاملة على اتخاذ قراراته، بينما قد يحتاج صاحب الإعاقة الذهنية إلى مساندة متفاوتة في فهم بعض الأمور وتقدير نتائجها. ولهذا، ينبغي تقييم قدرات ابنك تقييما واقعيا، ومعرفة ما يستطيع القيام به بنفسه، وما يحتاج فيه إلى تدريب، وما يتطلب مساعدة مستمرة؛ فلا نكلفه ما يعجز عنه، ولا نحرمه مما يستطيع، وقد قال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}.
•• ثالثا: إن أعظم ما يمكن أن تقدمه لابنك هو تنمية استقلاله بقدر استطاعته؛ فالرعاية الحقيقية لا تعني أن نظل نفعل كل شيء نيابة عنه، وإنما أن نعلمه كيف يدير ما يستطيع من شؤونه، فابدأ بتدريبه على تنظيم يومه، والعناية باحتياجاته الشخصية، والتعامل مع المال، واستخدام وسائل التواصل، واتخاذ القرارات المناسبة لعمره وقدراته، وطلب المساعدة عند الحاجة.
ولا تجعل الخوف عليه سببا في منعه من التجربة؛ لأن الثقة بالنفس لا تنمو بالتشجيع اللفظي وحده، وإنما بالممارسة والإنجاز والتعلم من الأخطاء، وينبغي أن ندرك أن الاستقلال لا يعني الاستغناء التام عن الآخرين؛ فقد يكون الإنسان مستقلا في قراراته وإن احتاج إلى من يساعده في تنفيذها.
•• رابعا: احرص على إشراك ابنك في التخطيط لمستقبله؛ فهو في أواخر المراهقة، ويحتاج إلى أن يشعر بأن له رأيا مسموعا، وأنه ليس مجرد شخص يتخذ الآخرون القرارات نيابة عنه، فاسأله عما يحب، وما يريد تعلمه، وما يخشاه، وكيف يتصور حياته المقبلة، وإذا كانت لديه صعوبات في التواصل، فاستعن بالوسائل المناسبة لمعرفة رغباته؛ فمن الخطأ أن نطالب الابن بتحمل المسؤولية، ثم نحرمه من فرص الاختيار التي يتعلم من خلالها تحملها.
•• خامسا: اهتم بتعليمه وتأهيله وإعداده للعمل المناسب؛ لأن مستقبل الشخص ذي الإعاقة لا يقوم على توفير الطعام والمسكن والرعاية الصحية وحدها، وإنما يحتاج كذلك إلى الشعور بالقيمة والإنجاز والانتماء، فابحث عن المجالات التي تناسب قدراته وميوله، وعن فرص التدريب والعمل والمشاركة الاجتماعية.
ولا تفترض أن إعاقته تمنعه من النجاح؛ فقد يكون العائق في غياب التهيئة والتدريب لا في قدراته نفسها، ومن المهم أيضا أن تتسع علاقاته الاجتماعية، وأن يتعرف إلى أصدقاء وأقارب وجهات يمكن أن يتواصل معها مباشرة، حتى لا تصبح حياته كلها مرتبطة بوجود والديه.
•• سادسا: ينبغي إعداد شبكة للرعاية والمساندة المستقبلية، فلا يكون الأب والأم وحدهما العارفين بجميع احتياجات الابن والمسؤولين عن تلبيتها، ومن المناسب الاتفاق مع أشخاص موثوقين من الأسرة أو غيرها على أدوار واضحة في مساعدته عند الحاجة، مع مراعاة قدرتهم واستعدادهم، وعدم افتراض أن إخوته ملزمون تلقائيا بتحمل جميع مسؤولياته.
كما ننصح بإعداد ملف منظم يتضمن معلوماته الأساسية، واحتياجاته، وقدراته، ووسائل التواصل المناسبة معه، والجهات التي تقدم له الخدمات، والأشخاص الذين يثق بهم، والإجراءات اللازمة في الحالات الطارئة، والأفضل أن يتعرف هؤلاء الأشخاص إليه ويتعاملوا معه منذ الآن، حتى لا يجد نفسه مضطرا إلى التكيف مع أشخاص وبيئة جديدة بصورة مفاجئة.
•• سابعا: لا بد من التخطيط المالي والقانوني؛ فالمحبة وحدها لا تكفي لضمان استمرار الرعاية، وإنما تحتاج إلى تنظيم يحفظ الحقوق ويمنع ضياعها، فينبغي معرفة ما يستحقه ابنك من خدمات ومخصصات، والنظر في وسائل الادخار والإنفاق المستقبلي، وتنظيم ما يتعلق بإدارة أمواله إذا احتاج إلى المساعدة، ومن المهم ألا نفترض فقدان الأهلية المالية لمجرد وجود إعاقة، وإنما يراعى في ذلك مستوى الإدراك والقدرة على التصرف.
وإذا أردتما تخصيص مال له أو ترتيب وصية لمصلحته، فراجعا أهل العلم والاختصاص؛ لأن الهبات والوصايا والميراث لها أحكام شرعية ينبغي مراعاتها، ولا يجوز الإضرار بحقوق بقية الورثة.
•• ثامنا: من الضروري التفكير مبكرا في مكان إقامته مستقبلا؛ فقد يستطيع بعض الأشخاص ذوي الإعاقة العيش باستقلال مع قدر من المساعدة، وقد يحتاج آخرون إلى الإقامة مع الأسرة أو إلى رعاية مستمرة، ولا توجد صورة واحدة تصلح للجميع، وإنما يتحدد الأنسب بحسب طبيعة الإعاقة وقدرات الابن والموارد المتاحة، والأفضل دراسة الخيارات الممكنة منذ الآن، وإشراك الابن في اختيار ما يناسبه بقدر استطاعته، حتى لا تتخذ القرارات المصيرية تحت ضغط الظروف الطارئة.
•• تاسعا: لا تغفل تعليمه حماية نفسه من الاستغلال والإساءة؛ فبعض الأشخاص ذوي الإعاقة قد يتعرضون للاستغلال إذا لم يتعلموا حدود التعامل مع الآخرين، أو كيفية الرفض، أو طلب المساعدة والإبلاغ عن الأذى، فعلمه -بما يتناسب مع قدراته- حقوقه في جسده وماله وخصوصيته، وكيف يتصرف إذا تعرض لموقف غير آمن، ومن الأشخاص الذين يمكنه الوثوق بهم والرجوع إليهم؛ فالأمان لا يتحقق بمجرد وجود من يرعاه، وإنما يتحقق أيضا بقدرته على معرفة حقوقه والتعبير عن احتياجاته وحماية نفسه.
•• عاشرا: أما قلقك أنت ووالدته، فننصحكما بألا تجعلاه يستهلك حياتكما؛ فإن التفكير في المستقبل مطلوب إذا حمل على الاستعداد، لكنه يصبح عبئا إذا تحول إلى انشغال دائم بما لا نملك، قال تعالى: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا}، فتأمل كيف وجه القرآن إلى استحضار حال الذرية الضعيفة، وربط ذلك بتقوى الله وحسن التصرف، لا بالاستسلام للخوف، وقال النبي ﷺ: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز.
ومن تمام التوكل أن نأخذ بالأسباب الممكنة ثم نفوض إلى الله ما لا نملكه؛ فلا نجعل الإيمان بالقدر ذريعة لترك التخطيط، ولا نجعل التخطيط سببا لتوهم أننا نملك ضمان المستقبل.
•• الحادي عشر: ننصحكما بوضع خطة عملية خلال السنة المقبلة، تبدأ بتقييم قدرات ابنكما، ثم اختيار مهارات محددة لتدريبه عليها، والبحث عن فرص التأهيل والعمل المناسبة، وتوسيع علاقاته الاجتماعية، وتحديد الأشخاص الذين يمكن أن يساندوه مستقبلا، ثم تنظيم الجوانب المالية والقانونية والسكنية، ومن المفيد الاستعانة بمختص لديه خبرة بطبيعة إعاقته، حتى تكون الأهداف واقعية، وأن تراجع الخطة دوريا بمشاركة الابن نفسه.
ولا ينبغي أن يصبح الاستقلال الكامل شرطا للحكم على نجاح الخطة؛ فبعض أنواع الإعاقة تستلزم مساعدة مستمرة، والنجاح الحقيقي هو أن يبلغ الإنسان أقصى ما تسمح به قدراته من المشاركة والاختيار والاستقرار، مع ضمان المساندة التي يحتاج إليها.
•• وأخيرا: نريدك أن تدرك أن أعظم ما تتركه لابنك ليس المال وحده، وإنما منظومة من المهارات والحقوق والعلاقات والمساندة تحفظ له كرامته وتعينه على مواجهة الحياة حين تتغير الظروف. فلا تجعل همك أن تظل قادرا على فعل كل شيء نيابة عنه، وإنما أن يصبح قادرا على فعل ما يستطيع، وأن يجد فيما يعجز عنه من يعينه بأمان ورحمة واحترام، وكل مهارة يكتسبها اليوم، وكل علاقة آمنة يبنيها، وكل حق تحفظه له، وكل ترتيب تتخذه لمستقبله، هو خطوة نحو الطمأنينة التي تبحث عنها.
نسأل الله أن يحفظ ابنك بعينه التي لا تنام، وأن ينمي قدراته، ويرزقه حياة كريمة آمنة، وأن يهيئ له من عباده من يحفظ حقوقه ويحسن رعايته، وأن يبارك لكما في أعماركما وصحتكما، ويقر أعينكما بصلاح حاله واستقرار مستقبله، وأن يتولاه برحمته ولطفه في حياتكما وبعدكما.
وبالله التوفيق والسداد.