السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا شاب عمري 25 عاما، قبل أشهر توفي عمي بسبب المرض، وكان كبيرا في السن، وبعده بشهرين توفي ابن عمي غرقا، وكان عمره 18 عاما، وعلى أثر ذلك بدأت مؤخرا أفكر في الموت كثيرا، في كل مكان وفي كل جلسة مع الأصدقاء أو الأهل، والتي أحاول اللجوء إليها لإلهاء نفسي، لكن الأمر لم يعد كما كان سابقا؛ إذ يبقى هاجس الموت يطرأ على بالي.
كنت دائما أفكر في حالة فقدان عزيز من عائلتي، لكنني كنت أتحاشى التفكير في ذلك، أما الآن فقد أصبح الأمر أصعب، عندما أفكر في أنني لا أعرف متى سأموت، وكلما استرسلت في التفكير ازداد خوفي، فأخاف من عذاب لحظة الموت، ومن عذاب القبر وما بعد ذلك، كما أخاف من تلقي خبر وفاة عزيز من أهلي فجأة، والله إن الموضوع مرهق، وقد أصبح وسواسا لا أعرف كيف أتعامل معه.
أنا أعرف أنني يجب أن أسلم لأمر الله، وأن أحسن الظن به، وأن يكون خوفي مما بعد الموت، لكن الأمر صعب ومخيف جدا، لدرجة أنني لا أستطيع حتى أن أحاول الاستقامة والتوبة النصوح، رغم التزامي بالصلاة، وأبدو طبيعيا عندما أكون مع الأهل والأصدقاء، لكن حالتي تسوء عندما أكون بمفردي، وقد حاولت اللجوء إلى الله والدعاء في آخر الليل، لكنني لم أستطع؛ لأنني صرت أخشى الوحدة والهدوء.
أرجوكم، أرشدوني إلى كيفية التعامل مع هذا الوضع.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أرحب بك في إسلام ويب، وأسأل الله لك العافية والشفاء.
•• أولا: فهم طبيعة الخوف من الموت:
استشارتك واضحة جدا أخي الكريم، وتخوفك من الموت من الواضح أنه مرتبط بالظروف الحياتية التي مررت بها، والخوف من الموت موجود، بل هو أمر مطلوب، ولكنه يجب أن يكون خوفا شرعيا وليس خوفا مرضيا.
والخوف الشرعي يحفز الإنسان لأن يعيش الحياة بقوة، وأن يعمل لآخرته، وأن يكون مستعدا للقاء ربه، أما الخوف المرضي فهو خوف مهيمن، ويزداد وينقص حسب الظروف الحياتية التي تحيط بالإنسان، فإذا سمع الإنسان بوفاة قريب أو صديق أو عزيز؛ تجد أن المخاوف قد تكالبت عليه.
•• ثانيا: ترسيخ اليقين بقضاء الله وقدره:
أيها الفاضل الكريم، أنت بخير إن شاء الله تعالى، وقناعاتك واضحة جدا بأن الموت حق، وأنه ليس هناك نفس تموت إلا بعد أن تستوفي أجلها ورزقها، وهذه أيضا قناعة يجب أن نتذكرها دائما، وفي الوقت ذاته، اليقين بقوله تعالى: ﴿إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر﴾، والعلم بأن الموت ليس بأيدينا، كما قال سبحانه: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾.
ومن ثم، فإن ترسيخ هذه المفاهيم الإيمانية في القلب يبدد كل مخاوف الوهم، فالتسليم التام لقضاء الله وقدره، وإدراك أن الآجال محفوظة بعلم الله وحكمته، هو الحصن الحصين للنفس من قلق المستقبل وهاجس النهايات؛ لنعيش الحياة بطمأنينة ويقين يملأ القلب رضا وسكينة.
•• ثالثا: الإكثار من الدعاء والأذكار:
أعتقد -أيها الفاضل الكريم- أنك بحاجة إلى ترسيخ هذه المفاهيم في نفسك بصورة أعمق، حتى تكون أكثر طمأنينة ويقينا، وفي الوقت ذاته، احرص على الدعاء واللجوء إلى الله تعالى، واسأله أن يحفظك من بين يديك، ومن خلفك، وعن يمينك، وعن شمالك، ومن فوقك، وأن يعيذك من أن تغتال من تحتك، واسأله سبحانه أن يطيل عمرك في طاعته، وأن يبارك لك فيه، وأن يجعلك من عباده الصالحين.
وأكثر -أخي الكريم- من الاستغفار والتسبيح وسائر الأذكار؛ فهي من أسباب الطمأنينة، وحفظ الله تعالى لعبده وتوفيقه له.
•• رابعا: تنظيم الوقت والانشغال بما ينفع:
احرص على الأخذ بالأسباب المشروعة، واجتهد في دراستك، وأحسن إدارة وقتك، ونظم يومك بما يعود عليك بالنفع، ولا تترك مجالا للفراغ يستولي على وقتك وتفكيرك، بل اشغل نفسك بما يفيدك في دينك ودنياك؛ فهذا مهم جدا في تعزيز طمأنينتك، وتقوية ثقتك بنفسك، ومواصلة حياتك بصورة طبيعية ومتوازنة.
•• خامسا: التعامل المتوازن مع حقيقة الموت:
لقد وجدنا أن زيارة المرضى واتباع الجنائز قد يساعدان على تقليل الخوف المرضي من الموت، وذلك من خلال إدراك حقيقة الحياة والموت، والتعامل مع هذه الحقيقة بصورة أكثر اتزانا وطمأنينة، دون أن يتحول التفكير فيها إلى مصدر للقلق والانشغال المستمر.
•• سادسا: المحافظة على نمط حياة صحي:
احرص -أيها الفاضل الكريم- على أن تعيش حياة صحية متوازنة، فالإنسان حين يعتني بصحته قد يشعر بقدر أكبر من الراحة والطمأنينة، وصحيح أن الصحة الجيدة لا تمنع الموت، فالأعمار بيد الله تعالى، ولكنها تعين الإنسان على الإقبال على الحياة بروح إيجابية ونفس مطمئنة.
لذا: أنصحك بتجنب السهر، والحرص على ممارسة الرياضة، وتنظيم وقتك، والاهتمام بغذائك، والمحافظة على نمط حياة صحي ومتوازن، ولا تنس -أيها الحبيب- أن تجتهد دائما في بر والديك والإحسان إليهما؛ فهذا من أعظم أبواب الخير والبركة في العمر والعمل، وهو أمر مهم جدا، فاحرص عليه.
•• سابعا: العلاج الدوائي:
الخوف الذي تعاني منه -أيها الفاضل الكريم- قد يكون له جانب مرتبط بالقلق الداخلي، ولذلك ربما يكون من المناسب أن تتناول دواء يساعد على تخفيف هذا القلق، ومن الأدوية التي تستخدم لهذا الغرض دواء يسمى سيبرالكس (Cipralex)، وهو اسمه التجاري، واسمه العلمي إسيتالوبرام (Escitalopram).
يمكنك أن تبدأ بتناول نصف حبة من الحبة التي تحتوي على (10 ملغ)، وتستمر على هذه الجرعة لمدة عشرة أيام، ثم بعد ذلك تجعلها حبة واحدة، أي (10 ملغ) يوميا لمدة ثلاثة أشهر، ثم تجعلها نصف حبة، أي (5 ملغ) يوميا لمدة أسبوعين، ثم (5 ملغ) يوما بعد يوم لمدة أسبوعين، ثم تتوقف عن تناول الدواء.
بارك الله فيك، وجزاك الله خيرا، وبالله التوفيق والسداد.