السؤال
علي كفارات يمين كثيرة جدا، وسببها الرئيس أنني مبتلى بذنب معين، وكنت أحلف عليه كثيرا جدا، والأيمان بصيغ مختلفة، وسأعطي مثالا بسيطا على التدخين لكي تفهموا قصدي: "والله لن أدخن، والله لن أقترب منها، والله لن أمسكها بيدي، والله لن أجلس مع من يشربها"، فهذه الأيمان -كما ترون- ليست مرتبطة ببعضها من حيث المعنى، ولكني قرأت فتوى تقول: إنه تدفع عنها كفارة واحدة؛ لأنها كلها أتت بسبب واحد، فما مدى صحة هذا الكلام؟ وأنا أعلم أني إن لم أكفر، ثم حلفت على نفس الشيء وحنثت، فعلي كفارة واحدة، فهل التوبة تعد فاصلا؟ فقد كنت أحلف كدليل على التوبة إلى لله عز وجل، ولكني كنت أحنث دون تكفير عما قبلها، فما الحكم؟
ومنذ فترة ألزمت نفسي، فقلت: "ولله علي كلما فعلت هذا الذنب، سأدفع كفارة" والمقصود إما الدفع طعاما وإما الصيام، وكانت هذه نيتي عند الحلف، وكنت أفعل ذلك لأني سئمت من نفسي الضعيفة، وأردت شيئا يوقفني، ولكن بلا فائدة أيضا، فما حكم تلك اليمين؟ وقد سمح لي والدي أن أدفع كفارة اليمين من مصروفي الذي يعطيني إياه، ولكني بعد فترة عرفت من والدتي أنه غير راض، ولكنه لم يخبرني مباشرة، فهل أستمر بالدفع أم أنتقل للصوم؟
الإجابــة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد اشتمل سؤالك على عدة أمور، وستكون الإجابة في النقاط التالية:
1ـ ننصحك بالابتعاد عن كثرة الحلف؛ فقد ثبت النهي عنها شرعا، قال تعالى: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم [البقرة: 224]، وقال سبحانه: واحفظوا أيمانكم [المائدة: 89].
2ـ بخصوص قولك حالفا عن ذنب -كالتدخين مثلا-: "والله لن أدخن، والله لن أقترب منها، والله لن أمسكها بيدي، والله لن أجلس مع من يشربها" كلها أيمان ترجع إلى موجب واحد، وهو البعد عن التدخين، فإذا حنثت في هذه الأيمان كلها قبل إخراج الكفارة؛ فلا تلزمك إلا كفارة واحدة، وراجع المزيد في الفتوى: 465160.
3ـ توبتك من الذنب لا تكون سببا في تكرر الكفارة عليك؛ فلا علاقة بين التوبة والكفارة؛ فكل منهما مسألة مختلفة عن الأخرى، فالتوبة -كما عرفها العلماء-: الندم على المعصية من حيث هي معصية، مع عزم أن لا يعود إليها إذا قدر. كما قال النفراوي في الفواكه الدواني، وراجع الفتوى: 460408.
4ـ أما قولك: "ولله علي كلما فعلت هذا الذنب، سأدفع كفارة" فهو من باب نذر اللجاج، فإذا حنثت، لزمتك كفارة يمين، وراجع التفصيل في الفتوى: 137967.
وتتكرر عليك الكفارة كلما فعلت هذا الذنب؛ لدلالة صيغة يمينك على هذا، وانظر التفصيل في الفتوى: 412636.
5ـ الصوم لا يجزئ في كفارة اليمين إلا بعد العجز عن إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم؛ لقوله تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون [المائدة: 89].
وعليه؛ فلا يجزئك الصوم عن الكفارة مع القدرة على الإطعام، أو الكسوة، ولو كنت نويت ذلك عند نذرك.
6ـ لا بأس أن تخرج كفارة اليمين من مصروفك اليومي الذي يدفعه لك والدك، ما دام قد سمح لك بذلك -كما ذكرت-، ولا تأثير لما أخبرتك به أمك من عدم رضاه التام عن ذلك التصرف، ما دام قد صرح لك بالإذن.
والله أعلم.