الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالأصل فيمن يعطى كتابا أو غيره أنه يعطاه على سبيل التمليك، والتمليك يقتضي إطلاق التصرف فيه. وخلاف الأصل أن يحجر عليه التصرف فيه، أو يقيد بقيد ما.
وإذا أمكن الرجوع للجهة التي استلمت منها الكتب للاستفسار عن حقيقة ذلك، وهل هو تمليك لعين الكتب دون شرط أو قيد، أم هو تمليك للمنفعة، أم تمليك للانتفاع بها فقط؟ فقولهم هو المرجع في هذا الأمر.
وإذا لم يمكن الرجوع إليهم، أو لم يجزموا هم بشيء، فيعامل كل كتاب بحسب العبارة التي كتبت عليه.
وما احتمل من العبارات لأكثر من معنى، حمل على القدر المتيقن، أو الغالب على الظن.
وعبارة: (للتوزيع المجاني، غير مخصص للبيع، يهدى ولا يباع) ونحوها، لا تدل بمجردها على الوقف، وإنما تدل على مجانية الحصول على الكتاب.
بخلاف ما إذا اقترن ذلك بكلمة تدل على الوقف، ككلمة: (صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث)، فإنها تعتبر حينئذ وقفا؛ لأن الوقف كما يثبت باللفظ الصريح، فإنه يثبت كذلك بالكناية إذا اقترنت بقرينة تدل على الوقف، كوصف الكتاب بأنه لا يباع.
قال ابن قدامة في المغني: أما الكناية، فهي: تصدقت، وحرمت، وأبدت. فليست صريحة ... ولم يثبت لهذه الألفاظ عرف الاستعمال، فلا يحصل الوقف بمجردها، ككنايات الطلاق فيه. فإن انضم إليها أحد ثلاثة أشياء، حصل الوقف بها ...
الثاني: أن يصفها بصفات الوقف، فيقول: صدقة لا تباع، ولا توهب، ولا تورث؛ لأن هذه القرينة تزيل الاشتراك. اهـ.
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء: إن كانت الكتب تحمل عبارات تفيد الوقف على من ينتفع بها مثل: (وقف لله تعالى، يهدى ولا يباع، توزيع مؤسسة خيرية)، فلا يجوز بيعها، ولا شراؤها، وإن كانت الكتب تحمل عبارات تفيد الإهداء، أو التوزيع فقط، فهذه ليست وقفا، ولا حرج في بيعها وشرائها. اهـ.
ومعنى وقف الكتاب: أن من تحقق فيه شرط الواقف، وحاز الكتاب بالفعل، فقد ملك حق الانتفاع به، وأما ملك المنفعة، فضلا عن ملك عين الكتاب، فهذا يرجع فيه لشرط الواقف.
قال ابن رجب في قواعده: الملك أربعة أنواع: ملك عين ومنفعة، وملك عين بلا منفعة، وملك منفعة بلا عين، وملك انتفاع من غير ملك المنفعة ...
والنوع الثالث: ملك المنفعة بدون عين، وهو ثابت بالاتفاق، وهو ضربان:
أحدهما: ملك مؤبد، ويندرج تحته صور: منها: الوصية بالمنافع ...
ومنها: الوقف؛ فإن منافعه وثمراته مملوكة للموقوف عليه، وفي ملكه لرقبته وجهان معروفان لهما فوائد متعددة ... اهـ.
وإذا جهلنا شرط الواقف، أو شككنا فيه، اقتصرنا على أدنى الرتب، وهو حق الانتفاع.
قال القرافي في الفروق: (الفرق الثلاثون بين قاعدة تمليك الانتفاع وبين قاعدة تمليك المنفعة)، فتمليك الانتفاع نريد به أن يباشر هو بنفسه فقط، وتمليك المنفعة هو أعم وأشمل، فيباشر بنفسه، ويمكن غيره من الانتفاع، بعوض كالإجارة، وبغير عوض كالعارية.
مثال الأول: سكنى المدارس، والرباط، والمجالس في الجوامع، والمساجد، والأسواق، ومواضع النسك -كالمطاف، والمسعى، ونحو ذلك-، فله أن ينتفع بنفسه فقط، ولو حاول أن يؤاجر بيت المدرسة، أو يسكن غيره، أو يعاوض عليه بطريق من طرق المعاوضات، امتنع ذلك، وكذلك بقية النظائر المذكورة معه.
وأما مالك المنفعة، فكمن استأجر دارا، أو استعارها، فله أن يؤاجرها من غيره، أو يسكنه بغير عوض، ويتصرف في هذه المنفعة تصرف الملاك في أملاكهم على جري العادة، على الوجه الذي ملكه، فهو تمليك مطلق في زمن خاص حسبما تناوله عقد الإجارة، أو أشهدت به العادة في العارية...
وهاهنا أربع مسائل ... (المسألة الرابعة): إذا وقف وقفا على أن يسكن، أو على السكنى، ولم يزد على ذلك، فظاهر اللفظ يقتضي أن الواقف إنما ملك الموقوف عليه الانتفاع بالسكنى دون المنفعة، فليس له أن يؤاجر غيره ولا يسكنه، وكذلك إذا صدرت صيغة تحتمل تمليك الانتفاع، أو تمليك المنفعة، وشككنا في تناولها للمنفعة، قصرنا الوقف على أدنى الرتب، وهي تمليك الانتفاع دون تمليك المنفعة...
ومتى حصل الشك، وجب القصر على أدنى الرتب؛ لأن القاعدة أن الأصل بقاء الأملاك على ملك أربابها، والنقل والانتقال على خلاف الأصل، فمتى شككنا في رتب الانتقال، حملنا على أدنى الرتب استصحابا للأصل في الملك السابق...
ومن هذا الباب ما يوقف من الصهاريج للماء والشرب في المدارس والخوانك، لا يجوز بيعه، ولا هبته للناس، ولا صرفه لنفسه في وجوه غريبة لم تجر العادة بها...
ومن هذا الباب الحصر الموضوعة في المدارس والربط، والبسط المفروشة في زمن الشتاء، ليس للموقوف عليه أن يتخذها غطاء، بل لا تستعمل الأوطاء فقط؛ لأن العادة وألفاظ الواقفين شهدت بذلك. وكذلك الزيت للاستصباح، ليس لأحد أن يأكله، وإن كان من أهل الوقف...
وقس على هذه المسائل ما يقع لك منها، واحمل مسائل تمليك الانتفاع على بابها، ومسائل تمليك المنفعة على بابها. اهـ.
ومن أخذ شيئا من كتب الوقف، فعليه أن يراعي شرط الواقف. وفي حال عدم انتفاعه به، فعليه أن يعطيه -دون ثمن- لمن يتحقق فيه شرط الواقف؛ لأنه من جملة الموقوف عليهم.
قال عليش في فتح العلي المالك: سئل أبو الإرشاد -العلامة سيدي علي الأجهوري- رضي الله تعالى عنه عمن وقف عليه كتب ينتفع بها فهل له إعارتها أم لا؟
(فأجاب) بأنه ليس له إعارتها، وأما إن وقفها لانتفاع الناس بها فأخذ رجل منها كتابا لينتفع به، فليس له أن يعيره، ولكن لغيره أن يأخذه منه على أنه مستحق، ومن جملة الموقوف عليهم، لا على وجه العارية. اهـ.
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة: هذه الكتب والأشرطة والرسائل التي تستلمها من المكاتب التعاونية للدعوة والإرشاد، ومن المؤسسات الخيرية ونحوهما - يحرم أن تتصرف فيها بالبيع؛ لأن هذه الكتب والأشرطة من الجهات المذكورة تكون وقفا على من أرسلت له، يستفيد منها، أو يعطيها غيره بغير ثمن. اهـ.
وفيها أيضا: ما يوزع من الكتب والأشرطة مجانا من قبل المتبرعين والمؤسسات الخيرية - يعتبر وقفا، فلا يجوز بيعه، ولا التجارة به، ومن استغنى عنه دفعه إلى من هو محتاج إليه. اهـ.
وفي حال الموت، فإن كتب الوقف لا تدخل في التركة، وإنما تعطى لمن تحقق فيه شرط الواقف.
سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء هذا السؤال: لديه مكتبة فيها نوعان من الكتب: أحدهما وقف، والنوع الآخر اشتراه، وتقول زوجته: إنه كان يقول في حياته: سأترك هذه الكتب للأولاد، وأحيانا تقول: إنه يقول: لا تبيعوا هذه الكتب، فهل تعتبر هذه وصية؟
فجاء في جواب اللجنة: بالنسبة للكتب، فما كان منها وقفا ثابتا، فلا يجوز بيعه، أما غير الوقف، فهو كبقية التركة. اهـ.
والله أعلم.