السؤال
أرغب في الاستفسار عن حكم صبغ الشعر باللون "الأسود الفحمي" بدافع التجربة واستطلاع مدى ملاءمته لملامح الوجه، حيث واجهت آراء متباينة من المحيطين بي تشير إلى التحريم القطعي، مما دفعني إلى البحث والتدبر في الأدلة.
تتلخص تساؤلاتي في النقاط التالية:
ورد في الحديث: غيروا هذا بشيء، واجتنبوا السواد، والسياق هنا جاء في حق من اشتعل رأسه شيبا (تغيير الشيب). فهل يشمل هذا النهي من لا يوجد في رأسها شيب أصلا وهي في مقتبل العمر؟ وما هي العلة الفقهية في تخصيص اللون الأسود بالنهي دون غيره من الألوان القاتمة كالبني الغامق جدا؟ ولماذا وقع الخلاف بين الفقهاء (بين التحريم والكراهة) إذا كان النهي قطعيا؟
إذا كان الصبغ ليس دائما، بل باستخدام "بخاخ مؤقت" يزول بغسل الشعر مباشرة، والهدف منه هو رؤية الهيئة أو التصوير الشخصي فحسب، دون نية تغيير لون الشعر الأصلي بشكل دائم، فهل يأخذ نفس حكم الصبغ الدائم؟ وكيف يرد على القول بأن النهي مرتبط بالتدليس (خداع الخاطب مثلا)، بينما في حالتي لا يوجد تدليس ولا تشبه بغير المسلمين؟
وجزاكم الله خيرا على جهودكم، ونفع بنا وبكم.
الإجابــة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن حكم الصبغ بالسواد من المسائل الاجتهادية الظنية -وليس حكما قطعيا كما ذكرت في سؤالك-، فمذهب جمهور العلماء أنه مكروه تنزيها وليس بمحرم، بينما ذهب الشافعية إلى التحريم، وهذا هو الذي نفتي به، وانظري الفتوى: 343426.
وأدلة التحريم: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر -رضي الله عنه- قال: أتي بأبي قحافة والد أبي بكر -رضي الله عنهما- يوم فتح مكة، ورأسه كالثغامة بياضا، فقال رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم: غيروا هذا، واجتنبوا السواد.
وحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة. رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية: إسناده جيد.
وظاهر هذه النصوص العموم، وليست مقيدة بالصبغ لتغيير الشيب دون التزين، ولا بكون الصبغ لا يزول بالغسل، ولا بكون الصبغ من أجل التدليس، وانظري الفتويين: 220204، 208513.
وأما حكمة النهي عن الصبغ بالسواد: فالمشهور عند العلماء أنه لما فيه من التدليس والتلبيس، وذكر بعضهم حكما أخرى.
قال ابن رشد الجد في المقدمات الممهدات: وأما بالسواد فمن أهل العلم من أجازه، ومنهم من كرهه؛ لما فيه من التدليس والإيهام أنه باق على حاله من الشباب، فقد تغتر المرأة التي تتزوجه بذلك. اهـ.
وقال القرطبي في المفهم: وقد علل ذلك: بأنه من باب التدليس على النساء، وبأنه سواد في الوجه فيكره؛ لأنه تشبه بسيما أهل النار. اهـ.
وفي تهذيب سنن أبي داود لابن القيم: وأما الخضاب بالسواد، فكرهه جماعة من أهل العلم، وهو الصواب بلا ريب لما تقدم ــ وقيل للإمام أحمد: تكره الخضاب بالسواد؟ قال: إي والله! وهذه المسألة من المسائل التي حلف عليها، وقد جمعها أبو الحسين، ولأنه يتضمن التلبيس بخلاف الصفرة. اهـ.
وقال الشيخ ابن عثيمين كما في فتواه: الحكمة في ذلك هو أن في صبغ الشعر بالسواد مضادة لحكمة الله تعالى التي خلق الخلق عليها، فإنه إذا حول شعره الأبيض إلى السواد، فكأنه يريد أن يرجع بشيخوخته إلى الشباب، فيكون بذلك مضادا للحكمة التي جعل الخلق عليها بكونهم إذا كبروا أبيض شعرهم بعد السواد. اهـ. وانظري الفتوى: 29034.
فعلى افتراض انتفاء التدليس في الصبغ للتجربة: فإن التحريم لا يرتفع؛ لأن التدليس حكمة من حكم النهي، وأما علة النهي: فهي صبغ الشعر بالسواد.
والفرق بين الحكمة والعلة: أن العلة: هي المعنى المنضبط الذي يناط به الحكم، وأما الحكمة: فهي ما يترتب على ربط الحكم بعلته أو سببه، من جلب للمصالح، أو دفع للمفاسد؛ كما سبق تفصيله في الفتوى: 287158.
والله أعلم.