السؤال
هل تجوز القراءة من المصحف في صلاة الفريضة والنافلة؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد اختلف الفقهاء في حكم القراءة من المصحف في الفريضة والنافلة، فذهب جمهور فقهاء الشافعية والحنابلة إلى جواز القراءة من المصحف في الصلاة فرضا كانت أو نفلا.
قال زكريا الأنصاري في أسنى المطالب: (ولو فض كتابا) أي فتحه (وفهم ما فيه، أو قرأ في مصحف و) لو (قلب أوراقه أحيانا لم تبطل)؛ لأن ذلك يسير، أو غير متوال لا يشعر بالإعراض. اهـ.
وفي مغني المحتاج للخطيب الشربيني: (وتتعين الفاتحة) أي قراءتها حفظا، أو نظرا في مصحف، أو تلقينا، أو نحو ذلك (في كل ركعة) في قيامها، أو بدله للمنفرد وغيره، سرية كانت الصلاة أو جهرية، فرضا أو نفلا. اهـ.
قال البهوتي في كشاف القناع: (وله) أي المصلي (القراءة في المصحف ولو حافظا)؛ لما روي عن عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنها كان يؤمها غلامها ذكوان في المصحف في رمضان. رواه البيهقي.
قال الزهري: كان خيارنا يقرؤون في المصاحف، والفرض والنفل سواء. قاله ابن حامد. اهـ.
وفي مطالب أولى النهى للرحيباني: (و) لمصل (قراءة بمصحف، ونظر فيه)، أي: المصحف.
قال أحمد: لا بأس أن يصلي بالناس القيام، وهو ينظر في المصحف، قيل له: الفريضة؟ قال: لم أسمع فيها شيئا.
وسئل الزهري عن رجل يقرأ في رمضان في المصحف، فقال: كان خيارنا يقرؤون في المصاحف. اهـ.
وذهب المالكية إلى كراهة القراءة من المصحف في الفريضة مطلقا، وفرقوا في النافلة، فجوزوه بلا كراهة في أولها، وكرهوه في أثنائها.
قال التتائي في جواهر الدرر: وكره نظر بمصحف في صلاة فرض؛ لاشتغاله غالبا، ونبه بالكراهة على مخالفة قول أبي حنيفة بالبطلان، أو في أثناء صلاة نفل؛ لكثرة الشغل بذلك، لا في أوله؛ لخبر البخاري: "كان خيارنا يقرأ في المصحف في رمضان". اهـ.
وذهب أبو حنيفة إلى فساد صلاة من قرأ من المصحف مطلقا، واستثنى من ذلك ما لو كان حافظا لما قرأه، وقرأ بلا حمل، فإنه لا تفسد صلاته. وخالفه صاحباه فجوزوها؛ إلا إذا كانت القراءة على سبيل مشابهة أهل الكتاب فتكره.
قال الحصكفي في الدر المختار: ويفسدها ... قراءته من مصحف) أي ما فيه قرآن (مطلقا)؛ لأنه تعلم، إلا إذا كان حافظا لما قرأه وقرأ بلا حمل، وقيل لا تفسد إلا بآية.
واستظهره الحلبي، وجوزه الشافعي بلا كراهة وهما بها -أي وجوزه الصاحبان بالكراهة- للتشبه بأهل الكتاب: أي إن قصده. اهـ. بتصرف يسير.
والحاصل؛ أنه تجوز القراءة من المصحف، سواء في الفريضة أو النافلة لمن يحفظه أو لا يحفظه، إلا أن الأولى ترك ذلك في الصلاة المكتوبة؛ خروجا من الخلاف، ومراعاة لسنن الصلاة، من النظر إلى موضع السجود، وترك الانشغال بالنظر، وتقليب الأوراق.
والله أعلم.