السؤال
هل الحاجة التي يترخص بسببها هي الضرورة، أم هي دون الضرورة؟ وما الفرق في كلام الفقهاء بين الحاجة والضرورة؟
وما معنى تعبير بعضهم بقولهم: "الحاجة الماسة"؟ هل هو احتراز عن الحاجة الخفيفة؟
هل الحاجة التي يترخص بسببها هي الضرورة، أم هي دون الضرورة؟ وما الفرق في كلام الفقهاء بين الحاجة والضرورة؟
وما معنى تعبير بعضهم بقولهم: "الحاجة الماسة"؟ هل هو احتراز عن الحاجة الخفيفة؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فلم نطلع على تعريف دقيق للحاجة يفصل تماما بينها وبين غيرها مما يشق على المرء فقده مما يحتاجه، أو يشق عليه وجوده لكونه يتضرر به، خاصة مع مراعاة اختلاف أحوال الناس وزمانهم، وتفاوت حوائجهم في معاشهم.
ولذلك؛ قال الجويني في غياث الأمم: ليس من الممكن أن نأتي بعبارة عن الحاجة نضبطها ضبط التخصيص والتمييز، حتى تتميز تميز المسميات والمتلقبات بذكر أسمائها وألقابها، ولكن أقصى الإمكان في ذلك من البيان تقريب وحسن ترتيب ينبه على الغرض. اهـ.
والضرورة والحاجة يحصل في كل منهما ضرر وحرج ومشقة، ولكن ذلك في الضرورة أشد وأظهر.
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: والفرق بين الحاجة والضرورة، أن الحاجة وإن كانت حالة جهد ومشقة فهي دون الضرورة، ومرتبتها أدنى منها، ولا يتأتى بفقدها الهلاك. اهـ.
وقال الشاطبي في الموافقات: أما الحاجيات، فمعناها أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة، ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلفين -على الجملة- الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة. اهـ.
ولتفاوت مراتب الحاجة، فإنها في بعض الأحوال لا تؤثر في الأحكام، وفي بعضها تنزل منزلة الضرورة من حيث التخفيف، وجلب التيسير.
ولهذا؛ يحترز بمسيس الحاجة، فيقولون: الحاجة الماسة تقييدا لها عن الخفيفة والنادرة والمتوقعة، وهكذا وفق ما يفهم من كلام الفقهاء.
ومن الأحوال المعتبرة للترخص للحاجة أن تعم الأمة كلها، أو تخص طائفة منهم، كأهل بلد معين، أو أرباب حرفة معينة. والقاعدة في ذلك هي أن: "الحاجة المعتبرة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة".
وهذه القاعدة هي إحدى القواعد الخمس التي ترجع إليها جميع مسائل الفقه، كما ذكرها السيوطي في الأشباه والنظائر، فقال: من الأولى -يعني الحاجة العامة-: مشروعية الإجارة، والجعالة، والحوالة، ونحوها، جوزت على خلاف القياس؛ لما في الأولى من ورود العقد على منافع معدومة، وفي الثانية من الجهالة، وفي الثالثة من بيع الدين بالدين، لعموم الحاجة إلى ذلك، والحاجة إذا عمت كانت كالضرورة...
ومن الثانية -يعني الحاجة الخاصة-: تضبيب الإناء بالفضة: يجوز للحاجة، ولا يعتبر العجز عن غير الفضة؛ لأنه يبيح أصل الإناء من النقدين قطعا، بل المراد الأغراض المتعلقة بالتضبيب سوى التزيين: كإصلاح موضع الكسر، والشد، والتوثق.
ومنها: الأكل من الغنيمة في دار الحرب، جائز للحاجة، ولا يشترط للآكل ألا يكون معه غيره. اهـ.
وقال الزحيلي في القواعد الفقهية وتطبيقاتها: معنى كونها عامة: أن يكون الاحتياج شاملا جميع الأمة.
ومعنى كونها خاصة: أن يكون الاحتياج لطائفة منهم، كأهل بلد، أو حرفة، وليس المراد من كونها خاصة أن تكون فردية إلا نادرا. اهـ.
وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: المراد بتنزيلها منزلة الضرورة أنها تؤثر في الأحكام، فتبيح المحظور، وتجيز ترك الواجب وغير ذلك، مما يستثنى من القواعد الأصلية. اهـ.
ولذلك؛ خفف كثير من أهل العلم في حكم استعمال البطاقات الائتمانية في بلاد الغرب، وإن كان فيها شرط ربوي! مراعاة لحاجة الناس الماسة، مع عدم وجود بديل مباح في غياب البنوك الإسلامية هناك.
ويتأكد التخفيف مع شرط أن يقوم حامل البطاقة بسداد المبلغ المطلوب قبل موعد الاستحقاق؛ لأنه حينئذ لن يقع في إثم الربا، وسيكون التحريم في حقه من باب سد الذرائع وتحريم الوسائل، لا من باب تحريم المقاصد، والقاعدة أن: "الفعل المنهي عنه سدا للذريعة، يباح للحاجة".
قال ابن العربي المالكي في عارضة الأحوذي: إذا نهى عن الشيء بعينه لم تؤثر فيه الحاجة، وإذا كان لمعنى في غيره، أثرت فيه الحاجة؛ لارتفاع الشبهة معها. اهـ.
وانظر الفتوى: 237319.
والله أعلم.