السؤال
توفي والدي -رحمه الله- وقبل وفاته كان يملك أرضا مساحتها تقريبا 4 دونمات. قام بتقسيم جزء منها على الأبناء، أما باقي الأرض فقال لنا: هذه للبنات، ولكنه لم يقسمها في حياته.
وقد أخذ كل واحد من الأبناء قطعة أرض، أما أنا فأعطاني قطعة الأرض التي عليها المنزل؛ لكوني الأصغر سنا، وكنت أدرس في ذلك الوقت، وقال: لا أعلم ما قد يحدث معك في المستقبل، وكل إخوتك يعملون، والحمد لله، إلا أنت. فهل كان فعل والدي صحيحا في هذا التقسيم، حيث أعطاني الأرض التي عليها المنزل، وأعطى إخوتي أراضي، ولم يعط أخواتي شيئا في حياته، مع العلم أنه أوصانا بأن تكون بقية الأرض للبنات مع والدتي؟
وإذا لم يكن هذا الفعل صحيحا، فماذا يجب علينا أن نفعل لتصحيح هذا الخطأ؟ وإذا كان صحيحا، فهل يجوز إعادة التقسيم حسب ما أمر الله به في الميراث، وتقسيم التركة بين الورثة؟
الإجابــة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فلا حرج على المرء في أن يهب ممتلكاته لأولاده ذكورا وإناثا في حياته.
قال البهوتي في كشاف القناع: ولا يكره للإنسان قسم ماله بين وراثه. اهـ.
إلا أنه يلزمه أن يعدل بين أولاده الذكور والإناث؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم. متفق عليه.
وإذا كان هناك مسوغ شرعي لما قام به والدكم من توزيع الأراضي على نحو ما ذكرت؛ فتثبت الهبة، بشرط أن تكون في حال الصحة، وتكون الحيازة الشرعية قد تمت في حياته.
وإذا لم تكن الهبة عادلة، ومات الواهب قبل استرجاعها، ثبت للمعطى، ما قبض، وخص به عند الجمهور، مع استحباب أن يسوي من فضل من الأولاد مع بقية أخوته وأخواته.
قال ابن قدامة المقدسي في الشرح الكبير: إذا فاضل بين ولده في العطايا، أو خص بعضهم بعطية ثم مات قبل أن يسترده، ثبت ذلك للموهوب له، ولزم، وليس لبقية الورثة الرجوع. هذا المنصوص عن أحمد في رواية محمد بن الحكم، والميموني، واختاره الخلال وصاحبه أبو بكر، وبه قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، وأكثر أهل العلم وهو الذي ذكره الخرقي؛ لأنها عطية لولده، فلزمت بالموت كما لو انفرد، ولأنه حق للأب يتعلق بمال الولد، فسقط بموته كالأخذ من ماله. انتهى منه باختصار.
وقال أيضا في المغني: ولا خلاف أنه يستحب لمن أعطي، أن يساوي أخاه في عطيته. انتهى.
وعلى ما سبق؛ فالحل الأنسب لكم والمستحب -على قول الجمهور- هو تسوية الهبة أولا، وتصححوها على أن يكون للذكر مثل ما للأنثى، ولكم أن تستعينوا بأهل الخبرة في ذلك، ثم بعد ذلك تقسمون ما بقي من التركة بحسب الأنصبة الشرعية، للذكر مثل حظ الأنثيين، أو تصطلحون على أي حل تتراضون عليه.
ونذكركم بقول الله تعالى: وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير [البقرة: 237].
وإذا لم تستطيعوا الاتفاق والمصالحة، فننصحكم بالرجوع إلى المحكمة الشرعية في بلدكم، فلا شك أن لديها من الوسائل ما تستطيع به الوقوف على جوانب المسألة، وبالتالي حلها حلا شرعيا عادلا.
وننبه السائل إلى أن أمر التركات أمر خطير جدا، وشائك للغاية، وبالتالي، فلا يمكن الاكتفاء فيه، ولا الاعتماد على مجرد فتوى أعدها صاحبها طبقا لسؤال ورد عليه، بل لا بد من أن ترفع للمحاكم الشرعية، كي تنظر فيها وتحقق، فقد يكون هناك وارث لا يطلع عليه إلا بعد البحث، وقد تكون هناك وصايا أو ديون، أو حقوق أخرى لا علم للورثة بها، ومن المعروف أنها مقدمة على حق الورثة في المال، فلا ينبغي إذا قسم التركة دون مراجعة للمحاكم الشرعية -إذا كانت موجودة-، تحقيقا لمصالح الأحياء والأموات.
وللفائدة يرجى مراجعة الفتويين: 27543، 33348.
والله أعلم.