مفهوم الجزاء التكليفي على الأعمال، والغاية من خلق الإنسان

0 0

السؤال

يقول الله سبحانه وتعالى: {إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون} [يونس: 4].
وقال في آية أخرى: {ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} [النجم: 31].
هل معنى هذا أن هناك في الأصل نفوسا صالحة ونفوسا سيئة، وأن الله خلق العالم كله ليجزي المؤمنين ويظهر عدله في الكافرين؟ لأن الله تعالى لا تنفعه طاعتنا، ولا تضره معصيتنا أو كفرنا.
وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فليس معنى الآيات أن الناس خلقوا وفيهم نفوس مؤمنة صالحة، ونفوس كافرة سيئة بطبيعتها، ثم خلق العالم لمجرد إثبات عدل الله فيهم؛ بل الله خلق بني آدم على الفطرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة. رواه البخاري ومسلم.

قال ابن قتيبة: فكل مولود في العالم على ذلك العهد والإقرار، وهي الحنيفية التي وقعت في أول الخلق، وجرت في فطر العقول. اهـ.

ثم منح الله الإنسان عقلا وإرادة، وبين له طريق الهدى وطريق الضلال، فقال تعالى: وهديناه النجدين [البلد: 10]، وقال عن ثمود: وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى [فصلت: 17]. فالإنسان يختار أفعاله حقيقة، وليس مجبورا عليها، وإن كان اختياره لا يخرج عن علم الله ومشيئته.

وقد بين الله أن الغاية من خلق الجن والإنس هي عبادته، فقال: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56]، وأن الحياة دار ابتلاء: ليبلوكم أيكم أحسن عملا [الملك: 2]، ثم تكون الآخرة دار الجزاء، قال تعالى: ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط [يونس: 4].

والله سبحانه غني عن العالمين، فلا تنفعه طاعة المطيع، ولا تضره معصية العاصي، وإنما تعود ثمرة العمل على صاحبه، قال تعالى: إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها [الإسراء: 7].

والجزاء مبني على العدل والفضل: فالسيئة لا يجازى صاحبها بأكثر منها، قال تعالى: ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون [الأنعام: 160]، وأما الحسنة فيضاعفها الله فضلا وإحسانا. ولا ينجو العبد بمجرد عمله، بل برحمة الله ومغفرته؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: لن ينجي أحدا منكم عمله. رواه البخاري ومسلم.

فالخلاصة: أن الله خلق الناس على الفطرة، وأقام عليهم الحجة، ومكنهم من الاختيار، وابتلاهم بالعبادة؛ فمن آمن وأحسن أثابه الله بفضله، ومن كفر وأساء عاقبه بعدله، ولا يظلم ربك أحدا.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة